تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

36.80

الحق سبحانه يسوق لهم دليلا آخر على طلاقة قدرته، فإن كنتم تكذبون بالبعث، فانظروا إلى هذه الآية المادية التي تشاهدونها، فالذي يحيي العظام التي رمت هو الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا توقدونها، فيشتعل العود الأخضر، والخضرة دليل الرطوبة والمائية، فكيف تأتي النار من الماء، هذه آية يرونها في البيئات العربية كل يوم، ومعلوم أن الحطب هو أول وقود عرفه الإنسان واستخدمه بسلام لأنه أصفى وقود، وهو صحي لا يلوث البيئة، ولا يضر بها، ولك أن تقارن بين وقود الحطب ووقود البترول مثلا، لتعرف الفرق.

36.81-82

هذا ترق في الدليل، فبعد أن ذكر سبحانه آية جعل الشجر الأخضر نارا، يسوق الدليل الأقوى، وهو خلق السماوات والأرض، السماوات دليل من العلو الثابت الذي لا يتغير، والأرض دليل ملامس لنا، نشاهده ونباشره. وحيثية هذه الآية جاءت في آية أخرى، حيث قال الحق سبحانه:

لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون

[غافر: 57]. فإن قلت: علل لنا أن خلق السماوات والأرض مع أنها لا تحس ولا تتكلم ولا تعلم.. الخ. أكبر من خلق الناس، نقول: نعم خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس لأنها منذ خلقها الله على حالها لم تتغير، وستظل إلى قيام الساعة، أما أنت أيها الإنسان فتموت، تموت وأنت طفل، بل وأنت جنين في بطن أمك، تموت وأنت شاب وأنت شيخ هرم، وقصارى ما يمكن أن تصل إليه لو عمرت في الدنيا مائة عام أو يزيد عليها بضعة أعوام، فأين عمرك من عمر الشمس، أو القمر أو الأرض؟ وهل رأيت خادما أطول عمرا من مخدومه؟ إننا نتوارد على هذا الكون أفرادا وأمما ودولا، تذهب جميعها وتفنى وتبقى السماء والأرض كما هي شامخة عظيمة، لا يطرأ عليها تغيير، ولا تخرج عن قانون التسخير في شيء أبدا، ومنذ أن خلق الله هذا الكون ما رأينا كوكبا خرج عن فلكه، ولا تخلف عن موعده، أو امتنع عن أداء مهمته. هذا حال الجمادات في السماوات والأرض، فما حالكم أنتم أيها العقلاء؟ لو تحدثنا في المادة فهي تبقى وأنتم تموتون، وفي المعاني والقيم تتساند هذه الجمادات، وأنتم تتعاندون وتختلفون وتتصارعون، فأيكم إذن أحسن خلقا وأكبر؟ لذلك يجيب الحق سبحانه على هذا الاستفهام المنفي: ﴿ أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم.. ﴾ [يس: 81]. فيقول بلى أي: نعم قادر ﴿ وهو الخلاق العليم ﴾ [يس: 81] وخلاق صيغة مبالغة من خالق، ليؤكد هذه القضية لكل مكذب بها، وهو سبحانه ﴿ العليم ﴾ [يس: 81] أي: بمن خلق. ثم يقول سبحانه: ﴿ إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴾ [يس: 82] هنا إشارة لطيفة من الحق سبحانه لكل مكذب بالبعث، كأن الله يقول لهم: يا من تكذبون بقدرة الله على بعث العظام التي رمت، أتظنون أن الله يخلق بعلاج كما تخلقون أنتم، الله الخالق لا يخلق بعلاج، وإنما يخلق بكلمة كن، بل يخلق سبحانه بمجرد مراده، فإن أراد شيئا كان، دون أن يقول، ودون أن يأمر، وما كلمة كن إلا لتقريب المسألة إلى أذهاننا. وسبق أن أوضحنا هذه العملية بمثال، ولله المثل الأعلى، قلنا: كيف تنكر أيها الإنسان قدرة الله، وقد أفاض عليك بمثلها في ذات نفسك، فأنت مثلا حينما تريد أن تقوم من مجلسك، ماذا تفعل؟ هل أمرت العضلات أن تتحرك، بل هل تعرف أصلا ما هي العضلات التي تقيمك، وما الأعصاب التي تتحكم في هذه العملية؟ إنك تقوم بمجرد إرادتك للقيام وليس لك دخل فيها، بدليل أن الطفل الصغير الذي لا يعرف عن تكوين جسمه شيئا يقوم إذا أراد القيام، فإذا كنت أنت أيها الإنسان تنفعل لك الأشياء دون أن تقول لها انفعلي، فهل يليق بك أن تكذب بهذا في حق ربك وخالقك؟ فإن قلت: فلماذا لا آمر أعضائي وأقول لها: اعملي كذا وكذا؟ نقول: الحق سبحانه يقول للشيء كن لأنه سبحانه يعلم أن الأشياء ستأتمر بأمره، ولن تخرج عن مراده، إنما هل أنت واثق أنها ستأتمر بأمرك إن أمرتها؟ إنك لا تثق بهذه المسألة بدليل أن الله تعالى حين يسلب الإنسان هذه القدرة تخرج أعضاؤه عن طاعته، فيريد أن يقوم فلا يستطيع، تشل الأعضاء فلا تتحرك.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٢١