تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

36.36

كلمة ﴿ سبحان ﴾ [يس: 36] تعني: التنزيه المطلق لواجب الوجود الأعلى عن أن تحكمه قوانين الموجود نفسه لذلك تقال في كل أمر عجيب كما في قصة الإسراء والمعراج، فقد استهل القرآن سورة الإسراء بقوله تعالى

سبحان الذى أسرى بعبده

[الإسراء: 1] فالإسراء بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، ثم الصعود به إلى السماء السابعة في جزء في الليل يعد أمرا عجيبا، وينبغي ألا نقيس هذا الفعل على قوتنا نحن، بل على قوة الفاعل لأن الفعل يجب أن يقارن بقوة فاعله قوة وضعفا. وسبق أن قلنا لتوضيح هذه المسألة: إنني لو قلت: صعدت بابني الصغير قمة افرست مثلا، أتقول لي: كيف صعد ولدك الصغير قمة افرست؟ فالحق سبحانه في قوله

سبحان الذى أسرى بعبده

[الإسراء: 1] يقول لنا: لا تتعجبوا من هذه المسألة لأن محمدا لم يقل سريت، إنما قال: أسري بي، فأنا الذي أسريت به وأنا منزه عن الزمان، ومنزه عن المكان وعن القوة، وإذا كان كل فعل يقاس زمنه بقوة فاعله فقس الزمن على الفاعل الأعلى سبحانه، وعندها ستجد لا زمن. وقلنا: إنك حين تذهب إلى الإسكندرية مثلا ماشيا تستغرق عدة أيام، أما بالسيارة فتستغرق عدة ساعات، وبالطائرة عدة دقائق، وبالصاروخ ثواني، إذن: كلما زادت القوة قل الزمن، وعلى هذا قس الإسراء والمعراج. لذلك تجد أن هذه الكلمة

سبحان

[الإسراء: 1] لا تقال ولم تقل من قبل إلا لله تعالى، مع كثرة الجبابرة في الأرض، ومع وجود من ادعى الألوهية، ومن قال: أنا ربكم الأعلى ومع ذلك لم تقل إلا لله لذلك نقول في ذكر الله: سبحانك ولا تقال إلا لك، لماذا؟ لأنها تعني التنزيه المطلق، وهو لا يكون إلا لله. وكلمة سبحان مصدر يعني: لله سبحان أي تنزيه قبل أن يوجد من ينزهه، فهو منزه في ذاته قبل أن يوجد من يقول سبحان الله، كما أنه تعالى خالق قبل أن يخلق، ورازق قبل أن يرزق أحدا، فالصفة موجودة فيه سبحانه قبل أن يوجد لها متعلق، كما تقول: فلان شاعر، أهو شاعر لأنه قال قصيدة رائعة، أم هو شاعر قبل أن يقولها؟ نعم هو شاعر قبل أن يقول القصيدة، ولولا موهبة الشعر عنده ما قالها. إذن: فصفات الكمال كلها موجودة لله تعالى قبل أن يوجد لها متعلق لأن هذه الصفات هي التي أوجدت متعلقها. وكما ذكر القرآن كلمة المصدر سبحان ذكر المشتق منها من الماضي، فقال سبحانه:

سبح لله ما في السموت وما في الأرض

[الحشر: 1]. وذكر المضارع في قوله تعالى:

يسبح لله ما في السموت وما في الأرض

[الجمعة: 1]. إذن: الحق سبحانه مسبح قبل أن يخلق الخلق، ثم لما خلق الخلق سبحت له كل المخلوقات، وما زالت تسبح وستظل تسبح، فما دام الكون كله مسبحا فلا تخرج أنت عن هذه المنظومة، وسبح معها:

سبح اسم ربك الأعلى

[الأعلى: 1]. والتنزيه المطلق للحق سبحانه له مقامات ثلاثة: الأول: أن تنزه ذاته سبحانه عن كل الذوات. الثاني: أن تنزه صفاته سبحانه عن كل الصفات، فأنت توصف بالغنى، لكن غناك ليس كغنى الحق سبحانه، أنت موجود والله موجود، فهل وجودك كوجوده سبحانه؟.. الخ. ثم الثالث: أن تنزه فعله سبحانه أن يشبه الأفعال، فإذا قيل: الله فعل كذا. إياك أن تقيس فعله تعالى بفعلك لذلك قلنا في

سبحان الذى أسرى بعبده..

[الإسراء: 1] قسها على قوة الفاعل سبحانه، لا على قوتك أنت. الحق سبحانه حينما يأتي بشيء يعلمه المخاطبون الأولون لا يغلق خزائن فضله، إنما يترك لنا رصيدا احتياطيا لكل ما يجد بعد ذلك نتيجة التطور والتزاوج في قوله سبحانه: ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ﴾ [يس: 36]، فقوله تعالى: ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ [يس: 36]. فهو غير معلوم للمخاطبين أولا، لكن سيعلم فيما بعد، وأبرز آيات القرآن التي أشارت إلى هذه المسألة قوله سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٩٣