تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

[قريش: 4]. السلام يكون منك حين تقبل على آخر فتقول: السلام عليكم يعني: أنا مقبل عليك بسلام، فيرد عليك: وعليكم السلام، والمعنى: لا أنت تؤذينا، ولا نحن نؤذيك، وكل يعطى من السلام على قدر إمكاناته، فإذا كان السلام من الله، فهو السلام المطلق، السلام الذي يحميك من كل جوانبك، فلا ينفذ إليك شيء يضرك. ومعنى: ﴿ سلام قولا ﴾ [يس: 58] يعني: الله تعالى هو قائله ليس مناولة عن طريق الملائكة مثلا، فيقول لهم: سلموا على فلان، فالمعنى: سلام حالة كونه قولا من رب رحيم، وليس بلاغا عن الله من أحد، واختار هنا لفظ الربوبية التي تقتضي أن المربي يحب المربى، فما بالك إذا وصفت الربوبية بالرحمة ﴿ من رب رحيم ﴾ [يس: 58] وبعد أن حدثنا الحق سبحانه عن المؤمنين، وما ينتظرهم من النعيم يحدثنا عن المجرمين: ﴿ وامتازوا اليوم أيها... ﴾.

36.59

معنى: ﴿ وامتازوا ﴾ [يس: 59] أي: تميزوا أيها المجرمون عن المؤمنين، وانحازوا بعيدا عنهم، تجمعوا في جانب واحد لتروا دخول المؤمنين الجنة، وتظلوا أنتم في الموقف لتزداد حسرتكم. وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يميز المؤمنين والكافرين بمعنى: أن يعرف كل منهم، وذلك في غزوة الحديبية،

" فلما منع المسلمون من دخول مكة وهم على مشارفها حزن المسلمون حزنا شديدا، حتى كبار الصحابة مثل عمر بن الخطاب الذي قال لرسول الله: لم نقبل الدنية في ديننا؟ وكاد المسلمون يخالفون أمر رسول الله حتى قال لزوجته السيدة أم سلمة: " هلك الناس يا أم سلمة، أمرتهم فلم يطيعوا " فقالت: يا رسول الله، إنهم مكروبون. ذلك لأنهم منعوا من دخول الحرم وهم على مقربة منه، وهذا أمر صعب على نفوسهم، ثم أشارت على رسول الله وقالت: يا رسول الله امض إلى ما أمرك الله به فافعل، ولا تكلم أحدا، فإنهم لو رأوك عزمت انصاعوا، وفعلا أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشورة السيدة أم سلمة، وانتهت المشكلة ".

وقبل أن يعودوا إلى المدينة بين الله لهم وجه الحكمة في ذلك والعلة من صلح الحديبية، ولماذا قبل رسول الله شروطها. العلة أن بين كفار مكة مؤمنين يكتمون إيمانهم، ولا يعرفهم أحد، فلو دخل المسلمون مكة في هذا الوقت لحدثت مصادمات بين الجانبين، وعندها سيؤذى هؤلاء المؤمنون الذين يكتمون إيمانهم، ولا يستطيعون الجهر به، وسيؤخذ العاطل مع الباطل. لذلك قال سبحانه في هذه القصة من سورة الفتح:

هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما

[الفتح: 25] ومعنى

لو تزيلوا

[الفتح: 25] يعني: لو تميز المؤمنون عن الكافرين. أو: يكون المعنى: ﴿ وامتازوا اليوم أيها المجرمون ﴾ [يس: 59] امتازوا بعلامات تميزكم وتلازمكم دائما، بحيث لا يكون خجلكم أمامنا الآن فحسب، إنما تكون لكم سمات تعرفون بها، وهذه العلامة هي علامة الغضب وسواد الوجه والعياذ بالله. ومن ذلك قوله تعالى في المؤمنين:

تعرفهم بسيماهم

[البقرة: 273].

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٠٦