تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن، نقول: إذا كان المخلوق مجرد إرادته تسيطر على جوارحه، فهل نستبعد أن تكون إرادة الخالق الأعلى تسيطر على هذا الكون المخلوق له سبحانه؟ وكلمة كن يقولها الله ليقرب لنا فهم المسألة، ويقولها لأن الأشياء لا تتخلف أبدا عن طاعته والانفعال لأمره، إنما أنت إن قلتها فلن يسمعك أحد لذلك قال سبحانه موضحا استجابة الأرض لأمره سبحانه:

وأذنت لربها وحقت

[الانشقاق: 2] أي: حق لها أن تسمع، وأن تطيع. ومعنى ﴿ أن يقول له ﴾ [يس: 82] أي: للشيء الذي لم يوجد بعد، فكيف أذن يخاطبه وهو ما يزال غيبا، قالوا: الخالق سبحان خلق كل الأشياء أزلا في عالم اسمه " عالم المثال " ، فالأشياء موجودة بالفعل، لكن تنتظر الأمر بالظهور والخروج إلى عالم الوجود لذلك قال أحد العارفين: أمور يبديها ولا يبتديها.

36.83

عرفنا في الآية السابقة أن الحق سبحانه إذا قال كن انفعلت له الأشياء وأطاعت، أما إن قالها الإنسان فلن يستجيب له شيء، وقلنا: إذا ورد لله تعالى وصف يوصف به البشر، فعلينا أن نأخذه في إطار

ليس كمثله شيء

[الشورى: 11] إذن: طبيعي أن تختم هذه الآيات والسورة كلها بقوله تعالى ﴿ فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ﴾ [يس: 83] يعني: تنزيها له عن أن يشبهه أحد، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. وكلمة ﴿ ملكوت ﴾ [يس: 83] من ملك، وهذه المادة الميم واللام والكاف تستخدم على معان أربعة: الأول: نقول مالك، وهو كل من ملك شيئا ولو كان يسيرا، فلو كان لا يملك إلا الثوب الذي يلبسه يسمى مالك. الثاني: نقول ملك وهو الذي يملك من ملك أي: يملك أن يتصرف فيه وفي إدارة حركته، الثالث: كلمة الملك وهي أن يترقى الملك في أمور ظاهرة يعرفها الناس، الرابع: كلمة الملكوت ويراد بها الملك المستور غير الظاهر، وهو أقوى وأعم من الملك. وقد يكون الشيء من عالم الملكوت، ثم يصير إلى عالم الملك مثل الأشياء التي كانت غيبا واكتشفها الإنسان أو ابتكرها، فصارت مشهودة، وهناك أشياء تظل دائما في عالم الملكوت لا نعرف شيئا عنها إلا في الآخرة، وهذا النوع هو الذي يكذبون به، ومن ذلك قوله تعالى في شأن سيدنا إبراهيم:

وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض

[الأنعام: 75]. نعم، يطلعه الله على عالم الملكوت، لأنه لما أطلعه على عالم الملك وابتلاه نجح في الابتلاء بتفوق، نجح في كل مراحل حياته، نجح وهو شيخ كبير في مسألة ذبح ولده إسماعيل، نجح لما ألقي في النار لذلك صار أهلا لأن يطلعه الله على أسرار الكون، وعلى عالم الملكوت، كما لو أن في أولادك ولدا صالحا ترى فيه مخايل النجابة، فتصطفيه بشيء تفضله به عن باقي الأولاد، كذلك من يحسن العبودية لله تعالى يحسن الله له العطاء. ومن ذلك ما قصه علينا القرآن في سورة الكهف من قصة العبد الصالح الذي رافقه نبي الله موسى وتعلم منه، والذي قال الله فيه

فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما

[الكهف: 65] هذا العبد الصالح لم يكن نبيا، ولم ينزل عليه الوحي، ومع ذلك تعلم منه النبي، لماذا؟ لأنه أخذ ما جاء به الرسول وطبقه على نفسه، فلما علم الله منه أنه مأمون على مناهج الله وعلى أسراره زاده وأعطاه من علمه اللدني، وكشف له من أسرار الملكوت. ألا ترى أن سيدنا موسى - عليه السلام - غضب منه حينما خرق السفينة، وتعمد أن يعيبها، وهي لمساكين فقراء، هذا هو عالم الملك الذي اطلع عليه العبد الصالح، أما علمه بعالم الملكوت ففي قوله:

وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا

[الكهف: 79] فأطلع العبد الصالح على بعض عالم الملكوت، كما أطلع إبراهيم عليه السلام على ملكوت السماء. وكلمة ملكوت تحمل معنى المبالغة، مثل: رحموت وجبروت ورهبوت، فهي إذن للمبالغة في الملك، لكن نلحظ عند علماء القراءات أن أحدهم يقرأ:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٢٢