36.33-35
وهذا دليل مشاهد يراه الجميع، ولا يستطيع أحد إنكاره، فنحن نرى الأرض الميتة الجرداء القاحلة، فإذا ما جاء المطر اخضرت ودبت فيها الحياة واهتزت وربت، وعلى الإنسان أن يأخذ مما يشاهد دليلا على صدق ما غاب عن مشاهدته. وقوله تعالى ﴿ وآية لهم ﴾ [يس: 33] الآية: الشيء العجيب في بابه كما نقول: فلان آية في الكرم أو آية في الحسن، وهذه الآية لهم يعني للكافرين فحسب، لأن المؤمن لا يحتاج إلى هذه الأدلة المؤمن قال:
أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد
[فصلت: 53]. وطلب الدليل على الشيء أول دليل على وجوده، وما أتعبت نفسي في البحث عن الدليل إلا لأنني مقتنع بوجود الشيء، فطلب الدليل هو عين الدليل، والمؤمن لا يطلب الدليل إلا ليجادل به من لا يؤمن ليلفته إلى آيات الله. وهذه الآية إما أن تأخذها على أنها آية كونية تدل على قدرة الإله الموجد سبحانه، وإما أن تأخذها دليلا على أننا إذا أنزلنا المطر على الأرض الميتة تهتز وتنبت من كل زوج بهيج. والمتأمل في الأرض يجد أنها آية في ذاتها، ونعمة من أعظم نعم الله علينا، حتى وإن كانت صخرا لا تنبت، فيكفي أنها مقرنا، فوقها نستقر، وإليها نأوي، فما بالك إن منحها الله لونا من الحياة حين تهتز بالنبات وتتحول إلى اللون الأخضر البديع. وإحياء الأرض على مراتب، فإما أن يكون الإحياء بنباتات لا تغني في القوت مثل العشب والحشائش والنجيل، ويكفي أن هذا النوع يكسو وجه الأرض جمالا ونضرة ويلبد الرمل ويثبته على وجه الأرض فلا تبعثره الرياح في أعيننا، فهي إذن مظهر من مظاهر حياة الأرض، ونعمة من نعم الله، والمرتبة الأخرى أن تنبت الأرض النبات الذي نقتات به، وهو قسمان: الحبوب التي تمثل الضروريات، وهي من مقومات حياتك، وهي أصل القوت وأهمها القمح. وقد أشار الحق سبحانه إلى أهميتها، فقال سبحانه
والحب ذو العصف
[الرحمن: 12] ليلفت أنظارنا إلى أهمية القشرة التي كنا إلى وقت قريب لا نهتم بها، ونضعها علفا للمواشي، ونأكل الدقيق الفاخر أو العلامة، وكان هذا طعام الصفوة والأغنياء إلى أن تنبهنا إلى أهمية الردة، فأصبحنا نفضلها على الدقيق الفاخر، بدليل أن الخبز المكون من الردة الآن أغلى من الخبز الأبيض، ثم رأينا الذين أسرفوا على أنفسهم في أكل الخبز الأبيض الفاخر لا يأكلون إلا الردة، وبأمر الطبيب. لذلك روي أن سيدنا سليمان عليه السلام، وقد أعطاه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده كان لا يأكل إلا الخشكار أي: الدقيق الخشن أما الدقيق العلامة فللخدم. ثم الفواكه وتعد من الترفيات التي نتفكه بها. لذلك يقول سبحانه: { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها.
. } [يس: 33] هذه هي المرتبة الأولى، ثم ﴿ وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ﴾ [يس: 33] وهذه هي الضروريات. ثم ﴿ وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب.. ﴾ [يس: 34]. وخص النخيل والأعناب لأن البلح والعنب أهم الفواكه، وأقربها من ضروريات القوت، فهما قوت للبعض، وفاكهة للبعض لذلك قال شوقي رحمه الله عن البلح:
طعام الفقير وحلوى الغني
وزاد المسافر والمغترب
ونقف هنا عند عظمة الأداء القرآني لأن الكلام كلام رب، وعلينا نحن أن نجلي وجوه العظمة فيه، وقد لاحظ العلماء جزاهم الله عنا خيرا أن القرآن لما تكلم عن الفاكهة قال ﴿ من نخيل وأعناب ﴾ [يس: 34] فذكر الشجرة في النخيل، وذكر الثمرة في الأعناب، ولم يذكر ثمرة النخيل وهي التمر، ولم يذكر شجرة العنب وهي الكرم. ولما بحث العلماء هذه المسألة وجدوا أن القرآن ذكر النخيل لأنها شجرة كثيرة الفوائد، مستمرة العطاء، لا يقتصر نفعها على ثمرها، بل كل ما فيها نافع مفيد، ويكفي أن تعرف أن النخلة لا يرمى منها شيء أبدا، ولكل جزء فيها استعمال ومهمة: الجذع والجريد والخوص، حتى الليف يحشون به أفخم أنواع الصالونات، أما شجرة العنب فبعد أن تأخذ ثمرها لا يبقى فيها إلا مجموعة من العيدان الملتوية التي لا تغني شيئا. ثم يقول سبحانه ﴿ وفجرنا فيها من العيون ﴾ [يس: 34] لأن الأرض المنزرعة التي تعطينا هذا العطاء إما أن تروى بالأنهار أو بالمطر، فإذا لم يتوفر لها هذان المصدران تروى بعيون وهي المياه الجوفية التي تتسرب من ماء المطر في باطن الأرض، كما قاله سبحانه: