والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون
[النحل: 8]. فجاء قوله تعالى:
ويخلق ما لا تعلمون
[النحل: 8] رصيدا احتياطيا لما استجد بعد ذلك من وسائل النقل والمواصلات، كالسيارات والطائرات والصواريخ.. الخ. فإن قلت: فلماذا جاءت هذه الأشياء المتسجدة على سبيل الإجمال؟ نقول: لأن العقل لم يكن مستعدا لأن يقبلها ساعة الخطاب، وهو لم ير شيئا من هذا، لكن حين يوجد الشيء يراه صراحة، فقال سبحانه على سبيل الإجمال
ويخلق ما لا تعلمون
[النحل: 8] لأن كل يوم سيأتي لنا بجديد وبعجائب لم نرها من قبل، وآخر ما شاهدناه من ذلك الصواريخ، ومن يدريك لعلنا نرى عن قريب ما هو أعجب منها، وعندها سندخل كل هذه الأشياء تحت
ويخلق ما لا تعلمون
[النحل: 8]. كذلك هنا في قوله تعالى ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ [يس: 36] فنحن نعلم الأزواج في ﴿ مما تنبت الأرض ﴾ [يس: 36] وشاهدناها مثلا في تلقيح النخيل وغيره من المزروعات، ونعرف منها الذكر والأنثى في النخيل وفي الجميز مثلا، لكن هناك مزروعات أخرى لا نعرف فيها الذكر من الأنثى، وهذه الأنواع تلقحها الرياح بقدرة الله كما قال سبحانه:
وأرسلنا الرياح لواقح
[الحجر: 22]. وفي بعض المزروعات جعل الخالق سبحانه الذكورة والأنوثة في العود الواحد، وغالب الظن أنها في المزروعات الضرورية للأقوات كالذرة والقمح، فليس فيهما عود ذكر وأخر أنثى، إنما في العود الواحد كعود الذرة مثلا نجد في أعلى العود سنبلة تحمل حبات لقاح الذكورة وتحتها كوز الذرة الذي تخرج منه شعيرات تمثل الأنوثة وتتلقى حبات اللقاح التي تبعثرها الرياح من أعلى.
لذلك إذا لم تخرج هذه الشعيرات وتبرز من الكوز يدكر كما يقول الفلاحون يعني: لا يخرج كوزا، ولا تتكون بداخله حبات الذرة، لماذا؟ لأنه لم يتلق حبات الذكورة. لذلك من العجائب أنك تجد حبات الذرة في أسفل الكوز أكبر مما يليها إلى أعلى وبالتدريج لأن كل شعيرة من الشعيرات متصلة بحبة من حبات الكوز، وتمثل هذه الشعيرة القناة التي تنقل اللقاح إلى الحبة، لكن الشعيرات التي تنزل إلى أسفل الكوز تخرج منه قصيرة متفرقة، مما يتيح لها أن تتلقى أكبر كمية من اللقاح على خلاف الشعيرات الأعلى، فإنها تكون طويلة متراكمة بعضها على بعض لذلك لا تأخذ كفايتها من اللقاح، فتكون حباتها أقل حجما، إلى أن تضمر في أعلى الكوز وتتلاشى. ونحن جميعا نشاهد صدق قوله تعالى
وأرسلنا الرياح لواقح
[الحجر: 22] حين ننظر مثلا إلى الجبال وهي جرداء قاحلة، فإذا نزل عليها المطر اخضرت، فمن بذر فيها هذه البذور؟ والحق سبحانه وتعالى في قوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ﴾ [يس: 36] إنما يطمئننا على امتداد النعمة وامتداد المنعم عليه، فبالتزاوج يبقى النوع ويتكاثر، والزوجية موجودة في كل شيء، وكلمة زوج لا تعني اثنين كما يظن البعض، إنما الزوج يعني: الشيء الواحد لكن معه مثله، فنحن لا نقول للحذاء مثلا زوج يعني اليمين والشمال، إنما نقول زوجين، ومثلها كلمة توأم، فكل واحد منهما يقال له: توأم وهما توأمان. والزوجية موجودة في كل شيء في الوجود، كما قال سبحانه في آية أخرى:
ومن كل شيء خلقنا زوجين
[الذاريات: 49]. وإذا نظرت إلى هذا الوجود كله بعين العلم الفاحصة المجربة المدققة لوجدت كل شيء في الوجود زوجين لاستدامة الصنف، بعض هذه الأشياء ندري مسألة الزوجية فيها، وبعضها لا ندري به، وما دام الزوجان يجتمعان للتكاثر فلا بد من تلقيح أحدهما بالآخر، فما الذي يدلنا على ميعاد هذا التكاثر؟ قالوا: الشيء الذي لا دخل للإنسان فيه فالله يعلم ميعاده، ويجعلها تتكاثر كل بما يناسبه، لكن المشكلة عندك أنت أيها الإنسان، ولو كانت عندك مقاييس دقيقة في الذات لعلمت أن هناك تغيرات كيماوية في جسمك تحتاج منك إلى دقة ملاحظة، هذه التغيرات هي التي تدلك على ميعاد التكاثر. والآن اخترعوا ساعة تضعها المرأة بعد الحيض، وتلاحظ منها درجة حرارتها، فإذا ارتفعت عن 37 فهذا يعني وجود تغير كيماوي في الجسم، يدل على نزول البويضة لذلك نرى كثيرين من الأزواج تتأخر عندهم عملية الإنجاب، لأن المرأة ليست لديها دقة الملاحظة التي تعرف منها وقت التبويض الذي يؤدي إلى الإنجاب. وذكر الحق سبحانه الزوجية في ﴿ مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ﴾ [يس: 36] ولم يذكر الحيوان، لماذا؟ لأنه سبحانه ذكر الأعلى، وهو الإنسان الحيوان الناطق، فالآخر مثله وتابع له.