تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا * وإني خفت الموالي من ورآءى وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا

[مريم: 4-6]. فأجابه الله:

يزكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا

[مريم: 7]. إذن: بشره الله بالغلام، وسماه اسما يدل على أنه سيعطيه حياة موصولة فحين تسمى ولدك ذكي مثلا تفاؤلا أن يكون ذكيا، أو نبيل تفاؤلا أن يكون نبيلا، لكن أتملك أن تحقق رغبتك هذه. لذلك قال الشاعر:

وسميته يحيى ليحيا فلم يكن

لرد قضاء الله فيه سبيل

نعم، أنت سميت، لكنك لا تهب الحياة، واهب الحياة هو الله، فإذا سمى الله يحيى فلا بد أن يحيا حياة موصولة لذلك مات سيدنا يحيى شهيدا، لتتصل حياته الدنيا بحياة الآخرة، وليحقق فيه ما أراده الله. ومعنى: ﴿ ويحق القول على الكافرين ﴾ [يس: 70] أي: يستحق لهم العذاب لأنهم لم ينتفعوا بالإنذار. ثم يتحدث الحق سبحانه بعد ذلك عن بعض آياته في الكون: ﴿ أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ... ﴾.

36.71-73

هنا نقلهم الحق سبحانه إلى مجال المادة التي لا يستطيعون إنكارها، وقلنا: إن الرؤية في ﴿ أولم يروا ﴾ [يس: 71] يصح أن تكون رؤية بصرية أو رؤية علمية ﴿ أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما ﴾ [يس: 71] قوله ﴿ مما عملت أيدينآ ﴾ [يس: 71] ينفي المشاركة يعني: هذه صنعتنا وخلقنا لم يشاركنا فيه أحد، ولم يعاونا فيه أحد، بل هو خلق لله وحده. وكلمة ﴿ أنعاما ﴾ [يس: 71] هي الأنعام التي ذكرت في سورة الأنعام:

ثمنية أزوج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صدقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء إذ وصكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظلمين

[الأنعام: 143-144]. وهي البقر والإبل والغنم والماعز، وسميت أنعاما لأنها النعمة البارزة في أشياء متعددة، ننتفع بها في حياتنا، فنأخذ منها الصوف والوبر والجلود والألبان، ونحمل عليها الأثقال، وهذه كلها نعم واضحة في البيئة العربية. ثم إن خلق الأنعام في ذاته نعمة، وقوله سبحانه ﴿ فهم لها مالكون ﴾ [يس: 71] نعمة أخرى لأن هناك حيوانات أخرى متوحشة لا تملك إلا بالصيد وبالقوة، وهي قليلة النفع إذا ما قورنت بالمستأنسة التي ينتفع بها الإنسان، فيسوقها ويركبها ويحلبها. ثم نعمة التذليل ﴿ وذللناها لهم ﴾ [يس: 72] وإلا فإذا خلقها الله ولم يذللها ما استطاع الإنسان تذليلها، ولا الاستفادة منها، فالجمل مثلا رغم ضخامة حجمه وقوته، إلا أن الطفل يسوقه وينيخه ويركبه، كيف؟ لأن الله ذلله وسخره، أما الثعبان فمع صغر حجمه إلا أننا نخافه ونهرب منه لأن الله لم يذلله لنا، بل البرغوث في الفراش يشاغبك ويقلقك، وليس لك سلطان عليه. إذن: فخلق هذه الأنعام في ذاته نعمة، وتملكها نعمة، وتذليلها نعمة، وهذه النعم للمؤمن والكافر على السواء، لأنها من عطاء الربوبية. إذن: كان عليهم أن يحترموا هذه، وأن يسألوا أنفسهم: كيف نكفر بالله وهو يوالي علينا كل هذه النعم، وليت الأمر يقف عند كفرهم هم، إنما يتعدى ذلك حين يمنعون الرسل من نشر دعوتهم. وقوله سبحانه: ﴿ فمنها ركوبهم ﴾ [يس: 72] أي: ما يركب من الدواب. وركوب مثل قولنا: شاة حلوب يعني: تحلب ﴿ ومنها يأكلون ﴾ [يس: 72] أي: من لبنها وهي حية، واللبن نأمل منه الجبن والزبدة.. الخ ﴿ ولهم فيها منافع ومشارب ﴾ [يس: 73] مشارب جمع مشرب. والمراد القربة التي كانوا يشربون بها، وتصنع من جلود هذه الحيوانات أو يراد بالمشارب ما يشرب من ألبانها، واللبن وإن كان يشرب من الأنثى إلا أن الذكر سبب فيه، فلولا أنها حملت ما كان منها اللبن.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩١٥