وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار
[إبراهيم: 34] والأخرى:
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله لغفور رحيم
[النحل: 18]. وكأن الحق سبحانه يقول لنا: أنت أيها الإنسان المنعم عليه ما تقابل به نعم الله من الظلم وكفران النعمة، فربك المنعم سبحانه يقابل ظلمك وكفرك لنعمه باستدامة النعم لأنه غفور ورحيم. وللعلماء أقوال في يس قالوا: الياء للنداء و س من أسمائه صلى الله عليه وسلم لأن عادة العرب أن تحذف بعض حروف الكلمة، وتبقي على الحرف المميز قوى الجرس، فمثلا كلمة إنسان، السين أقوى حرف فيها لذلك ورد قول النبى صلى الله عليه وسلم:
" كفى بالسيف شا "
والمراد: شاهدا. ومن ذلك قول الشاعر:
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل
وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
والمراد: فاطمة. ونحن في حديثنا اليومي نختصر بعض الحروف، فحين ننادي مثلا يا أحمد، بعضنا لا ينطق الدال، وخاصة في لهجة الدمايطة. إذن: فحذف بعض الحروف وإبقاء بعضها مما له جرس قوي أمر وارد في لغة العرب. وقال آخرون: بل اسمه صلى الله عليه وسلم يس وحذفت ياء النداء والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. الحق سبحانه وتعالى علم الإنسان الأسماء كلها، يعني: علمه الكلمة المطلوبة له في التخاطب، وبعد ذلك ساعة يتكلم الإنسان ويتخاطب يتواضع ويصطلح على أسماء أخرى، فالإنسان مثلا الآن يعرف التليفزيون ويتعارف على هذا الاسم، فهل علم الله آدم اسم التليفزيون؟ لا إنما اصطلح عليه الإنسان بما علمه الله.
فالمعنى:
وعلم ءادم الأسمآء كلها
[البقرة: 31] أي: الصالحة لتخاطبه الآن في البيئة البدائية، وعليه هو أن ينمي لغته، فيضع لهذا الشيء اسم كذا، وهذا اسم كذا. ونحن نعرف أن الحروف قسمان: القسم الأول: حروف مبني يعني مهمتها بناء الكلمة، دون أن يكون لها معنى غير ذلك، كما نقول مثلا: كتب، فالكاف والتاء والباء حروف تبنى منها هذه الكلمة دون أن تعطي معنى آخر زيادة على معنى هذا الفعل الذي كونته الحروف. القسم الثاني: حروف معنى، وهي أن يكون للحرف معنى يدل عليه بذاته كما نقول: كتبت. فهذه التاء الأخيرة تحمل معنى آخر غير معنى الكتابة لأنها تدل على الفاعل المتكلم فإن جاءت مفتوحة دلت على الفاعل المخاطب، وإن جاءت مكسورة دلت على المؤنث، وهكذا. وقلنا: إن اسم الحرف قد يصادف علما على شيء، فالسين مثلا اسم لنهر معروف، والعين حرف معجم لكن سمي به أشياء كثيرة: العين الباصرة، وعين الماء، والعين بمعنى الجاسوس، والعين للنفيس من المال من الذهب أو الفضة. وقوله سبحانه: ﴿ والقرآن الحكيم ﴾ [يس: 2] هذه الواو تسمى واو القسم فما دخلت عليه كاليمين، لكن هل المطالب التي يريدها المتكلم من المخاطب تأتي بالقسم أم بالدليل؟ تأتي بالدليل، وقد يأتي اليمين فيه الدلالة على الغرض المراد. فمثلا يقول لك صاحبك: يا أخي أنت لم تقدرني، لأنني مررت بأزمة، فلم تقف بجانبي فتقول له: وحياة الشيك الذي كتبته لك يوم كذا، وحياة الهدية التي أخذتها يوم كذا، فتحلف له بالدليل على صدقك. كذلك هنا الحق - تبارك وتعالى - يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: أنت مرسل وأنا أحلف بالقرآن لأنه دليل على أنك رسول صادق. كلمة قرآن مصدر لقرأ تقول قرأت قراءة وقرآنا، ولا بد أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، فقلنا قرآنا لنفرق بين قراءة القرآن وقراءة غيره، وهي أيضا تدل على أنه كتاب مقروء، ومرة أخرى يسميه الكتاب لأنه مكتوب، فالقرآن إذن مقروء من الصدور، مكتوب في السطور. ومرة أخرى يسميه الذكر، لأنه يذكرنا بعهد الفطرة الأولى التي قال الله فيها:
وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين