تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الأعراف: 172]. وهذا التذكير بالعهد الأول يعد رحمة من الله بنا، فمن رحمة الله بنا أن يذكرنا إذا نسينا أو غفلنا، فمنذ أن خلق آدم وإلى الآن، الحق - تباك وتعالى - يذكر عباده، فكما يلقن الوالد ولده حركة الحياة يلقنه أولا حركة هذا الدين، ولا بد أن يستمر هذا التلقين وهذا التذكير، وأن يتوالى من جيل إلى جيل لأن طبيعة الإنسان فيه غفلة وفيه نسيان، وتحدث منه معصية.

لذلك الذين قالوا:

إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مهتدون

[الزخرف: 22] كاذبون في هذا القول لأن آدم وأمته في البداية كانوا على هدى، فلماذا لم تتبعوهم؟ إذن: أنتم اتبعتم الآباء الضالين لا المهتدين. كذلك حين تتأمل مسألة جمع القرآن تجد أن الذين جمعوا القرآن كانوا يتحرون في الآية قبل تسجيلها أن تكون مكتوبة أولا في قرطاس أو في الرقاع والعظام التي سجل عليها القرآن أولا، ثم يشهد على صحتها اثنان من القراء، لماذا؟ قالوا: لأن القرطاس لا هوى له، فيغير ما كتب فيه، أما الإنسان الحافظ فهو عرضة للخطأ والنسيان والغفلة، فلا بد أن يكون معه آخر يذكره على حد قوله تعالى:

أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى

[البقرة: 282]. والقرآن وصفه الله بالحكمة، وهي وضع الشيء في موضعه الحق ليؤدي مهمته، وكل المعاني الدينية مأخوذة من محسات قبل الدين، فمثلا الفرس يركبه الإنسان ليوصله إلى مراداته، فإن كان مرادك من ركوب الفرس التنزه بين الحقول سار بك سيرا بطيئا كسير الحنطور مثلا، وإن أردت به قطع المسافة جرى بك كالريح. لذلك جعلوا للحصان لجاما يوضع في حنكه ليكبح سرعته، ويتحكم فيه، هذا اللجام يسمى الحكمة ومنها الحكمة التي تكبح جماح الأهواء، كي لا تشرد وتضع المسائل في موضعها، فالإنسان له هوى يميل به، وينحرف بحركته عن الجادة، فيأتي القرآن بالحق الواضح الذي يقوم هذا الميل ويصلحه، والقرآن في الحقيقة حكيم، لأنه محكم من الحكيم الأعلى سبحانه، إذن: فالقرآن كلام من الحكيم، وهو بالنسبة للإنسان كالحكمة للفرس. ولحكمة القرآن اختص بأشياء، فتناول القرآن لا يكون كتناول غيره من الكتب، فالكتاب العادي أتناوله في أي وقت وعلى أي حال كنت جنبا أو محدثا، أما القرآن فلا يمسه إلا طاهر، لأنك مع القرآن تقبل على مقدس له خصوصية، فإياك أن تتناوله وأنت غير طاهر، كما قال الحق سبحانه:

إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون

[الواقعة: 77-79]. فالحق سبحانه جعل لك هذه الضوابط النفسية لتعرف أنك مقبل على كتاب له تميز عن سائر الكتب الأخرى. كذلك للقرآن خصوصية في حروفه، فالحروف هي التي تكون الكلمات، فهي عبارة عن نبرات صوتية، لكل منها منطقة في أعضاء الكلام، فمثلا حروف تخرج من الجوف والصدر هي:

همز فهاء ثم عين حاء

مهملتان ثم غين فاء

فإن خرجنا من منطقة الجوف نجد الحروف اللسانية التي تنطق من اللسان بداية من: لغلوغه ثم وسطه ثم طرفه. فالقاف مثلا تخرج من أقصى اللسان، والشين والجيم من وسطه، والضاد واللام والراء من طرفه، كذلك هناك حروف تخرج من الشفة، كالفاء من باطن الشفة السفلي، والباء من باطن الشفتين معا، كذلك الواو يشترك في نطقها الشفتان.

ولكي نقرأ القرآن قراءة صحيحة لا بد أن نلتزم بهذه المخارج الصوتية، على خلاف قراءة أي كتاب آخر، فلا يشترط له هذا الشرط لذلك نقول: إن كمال القرآن لا يتعدى ما دام له طريقة معينة ونغمة مضبوطة، فلا بد أن تراعى. فمثلا لو أنك تتكلم في خطبة عادية تقول: أيها السادة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، لقد استدعاني فلان لألتقي به في مكان كذا.. لو نطقت هذا الكلام بنغمة القرآن وطريقته لكان شيئا غير مقبول بايخ أما إن كان هذا النغم في القرآن، فإنه يأتي جميلا متناسقا. إذن: كمال القرآن لا يتعدى حتى في نطقه لأن هذا شيء مختص به وحده دون غيره من الكلام، فإن عديت خصائص القرآن إلى غيره من الكلام جاء سخيفا مردودا لا يقبل. أذكر ونحن صغار أنهم كانوا ينصحوننا بقراءة كتب الأدب مثل كتب المنفلوطي مثل " العبرات " أو " النظرات " لنتعلم الأسلوب الجميل في كتابه الإنشاء، وبالفعل كان أسلوبنا يتحسن ويترقى بقراءة كتب الأدب، ونكتسب منها تعبيرات جديدة، فإن جئت إلى حافظ القرآن الذي جوده على القراءات العشر أو الأربعة عشر، وقرأت له كلمة أو مقالا، فإنك تجد أسلوبه لا يتأثر بالقرآن لماذا؟ لأن كمال أسلوب القرآن لا يتعدى. إذن: نفهم أن حكمة القرآن جاءت من هذه الخصوصية: في حروفه حكمة، وفي كلماته حكمة، وفي نظمه، وترتيله، وفي أسلوبه الذي لا يبارى ولا ينقل إلى غيره. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إنك لمن المرسلين ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٦٤