تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا عبادك منهم المخلصين

[ص: 83] فهم الذين يحتمون منه في حمى ربهم وخالقهم. أما قوله تعالى ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فالحق سبحانه خلق الإنسان، وجعله سيد هذا الكون، وسخر له كل شيء، ومما سخر له سخر أبعاضه لإرادته، فسخر مثلا لسانه لإرادته، فإن كان مؤمنا قال: الله واحد.

وإن كان غير ذلك قال: الله ثالث ثلاثة، كذلك سخر له العين تنظر إلى ما أحل وإلى ما حرم كذلك الرجل، فكل جوارحك سخرها الله لك إن أردت منها طاعة أطاعت، وإن أردت منها معصية عصت، فالإرادة هي التي تملي ما تريده، والجوارح لا تملك إلا أن تنفذ طاعة أو معصية لأنها مسخرة. وسبق أن مثلنا لذلك بالقائد الأعلى للجيش حين يرسل مثلا القائد الأدنى على رأس كتيبة في مهمة ما، فعلى الكتيبة أن تطيع أمر هذا القائد المباشر طاعة عمياء، حتى لو كانت هذه الأوامر في غير صالحهم، وليس لهم أن يعترضوا عليه حتى إذا ما عادوا إلى القائد الأعلى اشتكوا له ما كان من قائدهم المباشر، كذلك طاعة الجوارح لإرادة الإنسان في الدنيا. أما في الآخرة فسوف تسلب منه هذه القيادة لجوارحه، وسوف تشهد هذه الجوارح على صاحبها أمام الحق الأعلى سبحانه، ففي الآخرة لا سلطان لأحد إلا الله:

لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

[غافر: 16]. وقال سبحانه:

يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون

[النور: 24]. وقال:

وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء

[فصلت: 21]. فإذا كنت تريد عملا من الأعمال، هذا العمل يتطلب منك أولا طاقة عقلية فكرية تخطط له، ثم يتطلب قوة في الجوارح لتفعل، من الذي خلق لك العقل المفكر؟ ومن الذي أمد جوارحك بالقوة والطاقة الفاعلة؟ أهي تأتمر لك وتفعل مطلوبك بقوة ذاتية فيك؟ أم بتقدير الله لها؟ إذن: عليم أن تقبل على كل فعل، فكرا وتخطيطا وتنفيذا وعملا بقولك بسم الله، وحين تقولها فكأنك تقول للجوارح: أنا لا أطلب منك بقوتي، ولكن من باطن قوة بسم الله، فبسم الله أفعل لا بي. بدليل أن الله تعالى إن أراد سلب الإنسان ذاتية الحركة وذاتية الطاقة والفكر فتشل الجوارح ويشل التفكير، إذن: أقبل على كل أعمالك ببسم الله الذي يعينك عليها. ثم أنت في الأعمال تحتاج إلى حكمة، وإلى قدرة، وإلى علم.. الخ، فمن الجامع لكل هذه الصفات؟ إنه الله. إذن: فقل بسم الله الجامع لصفات الكمال كله الممد خلقه بها، فهو سبحان العالم الذي يمدك بالعلم، القادر الذي يمدك بالقدرة، الحكيم الذي يمدك بالحكمة، العزيز الذي يمدك بالعزة، القهار الذي يمدك بالقهر.. الخ. ألسنا نسمع القاضي يقول عندما يجلس للحكم: بآسم الشعب يعني: هو لا يحكم بذاته، إنما يحكم بقوة الشعب، كذلك المؤمن يقول: بسم الله عند كل عمل يعني أيتها الجوارح، أطيعيني من باطن طاعتك لله. ثم يصف الحق سبحانه نفسه بقوله

الرحمن الرحيم

[الفاتحة: 1] لأن الحق سبحانه خلق الخلق مختارين، فكان منهم المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، وربما غفل الإنسان عن منهج الله فصدرت منه صغائر بل وكبائر، فكيف يقبل على عمله ببسم الله؟ وكيف يستعين به سبحانه وقد عصاه.

لذلك يقول له ربه عز وجل لا تستح أن تقول بسم الله، لأنني رحمن رحيم، أغفر لك وأتجاوز عما كان منك، ولن أتخلى عنك، إذن: تشجع ولا تترك الاستعانة باسمي مهما كان منك من ذنوب، واعتمد في ذلك على أني رحمن رحيم. وقد روي أن الأصمعي سمع رجلا يقول - وهو يطوف بالكعبة - اللهم إني عاصيك وأستحي أن أطلب منك، لكن أطلب ممن، وليس في الكون إلا أنت؟ فقال له الأصمعي: يا هذا، إن ربك قد أجابك لحسن مسألتك له. والحق سبحانه وتعالى حين يعدد نعمه على عباده يقول

وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها

[إبراهيم: 34] نعم، لأن عد الشيء مظنة إحصائه، ومع تقدم العلوم وتخصص جامعات ومعاهد للإحصاء لم يقبل أحد على عد نعم الله لأنها لا تعد، بل النعمة الواحدة مطمور فيها ما لا يحصى من النعم لذلك لم يقل سبحانه: وإن تعدوا نعم الله، بل نعمة الله، فالنعمة الواحدة مستور فيها ما لا يدرك من النعم. ونلحظ في هذه الآية أنها وردت في موضعين، لكن لكل منهما تذييل، فواحدة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٦٢