تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق

[فصلت: 53]. هذه السين الدالة على الاستقبال نطق بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال

سنريهم

[فصلت: 53] وظهرت في عهده أسرار، ونطق بها من بعده من الأجيال المتعاقبة، وظهرت لها أسرار، وسنظل ننطق بها وتتجلى لنا أسرارها إلى قيام الساعة، وإلى أن تظهر الآية الكبرى وهي القيامة. إذن: فعطاء القرآن عطاء مستمر لا ينقطع أبدا. لذلك لما تناقشنا مع بعض المستشرقين في سان فرانسيسكو حول موضوع المخترعين والمكتشفين الذين خدموا البشرية وأسعدوها باختراعاتهم واكتشافاتهم. قال أحدهم: عجبا للمسلمين! لماذا لا يدخل هؤلاء المكتشفون الذين أسعدوا البشرية الجنة؟ فأوضحنا له أنهم نعم خدموا البشرية، لمن لم يكن الله في بالهم حين اكتشفوا ما اكتشفوا، بل كان في بالهم الشهرة والمجد والذكر بين الناس، وقد نالوا ما يريدون فخلدنا ذكراهم وأقمنا لهم التماثيل.. الخ فينطبق عليهم الحديث:

" عملت ليقال وقد قيل "

إذن: هؤلاء العلماء الذين خدموا البشرية وأسعدوها وهم غير مؤمنين بالله ما هم إلا خدم سخرهم الله لخدمة البشر، فهم كالشمس والقمر وغيرهما، سخرهما الله للإنسان لفائدته ولمنفعته، ما هم إلا جنود من جنود الله يخدمون هذا الحرف في

سنريهم

[فصلت: 53] ليظل يعطي على مر الأزمان، وفي كل المستقبل. هؤلاء العلماء غير المؤمنين بالله مثلهم كمثل خادم عندك قلت له: احمل هذا الحجر مثلا، فقال لك إنه ثقيل علي لا أقوى على حمله، فإن قلت له: استعن بمن يحمله معك ربما قال لك لا أجد، لكن إن قلت له احمله وسوف تجد تحته كنزا هو لك فإنه سيحمله وحده، في هذه الحالة: أحمله احتراما لأمرك؟ أم حمله طمعا في الكنز؟ كذلك لما تقدمت العلوم اكتشفوا أن الخمر تضر بالكبد، فأقلع كثيرون عن شربها مخافة ضررها، وبعد أن عرف العلة، أما المؤمن فيقلع عنها قبل أن يعرف هذه الحقيقة، يقلع عنها لأن ربه عز وجل نهاه عن شربها فينتهي ثقة منه في حكمة ربه، واحتراما لأمره، ولو لم يعرف العلة. ولأن سورة يس، ثبت في الحديث أنها قلب القرآن فيجب أن نستهل الاستعاذة والتسمية قبلها، كما استهللناها في السور قبلها، فالحق سبحانه الذي أنزل القرآن معجزة وكتاب هداية على سيدنا رسول الله ليصحح للمؤمنين به حركة حياتهم قال:

فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم

[النحل: 98]. وقلنا سابقا: إن علة هذا الأمر من الأعلى أن الشيطان حينما عصى ربه في السجود لآدم، وحدث الحوار بينه وبين ربه قال:

لأغوينهم أجمعين

[ص: 82] يعني: حتى لا يتميز آدم وبنوه عني في المعصية

إلا عبادك منهم المخلصين

[ص: 83] فقوله:

لأغوينهم أجمعين

[ص: 82] أي: في أن يسلكوا طريقا غير الطريق الذي رسمه الله لهم، والطريق الذي رسمه الله لهم هو الصراط المستقيم الذي قال فيه:

لأقعدن لهم صراطك المستقيم

[الأعراف: 16]. نعم، لأن الشيطان لا يأتي الخمارة ولا أماكن القمار والمعصية، إنما يتعرض لأهل الطاعات ليفسد عليهم طاعتهم، والصراط المستقيم هنا هو منهج الله الذي وضعه لإسعاد البشرية، فإبليس بدل أن ينتظر إلى أن تنفذ منهج الله في حركة الجوارح طاعة ومعصية يأتي للأساس الذي تأخذ عنه تلك الجوارح منهج الحركة، فإذا قرأت القرآن جاء ليفسد عليك القراءة. لذلك يعلمك ربك - عز وجل - الاستعاذة، أولا لتقطع على الشيطان هذا السبيل لأنه لن ينتظرك حتى تقرأ، وحتى تأتي بثمرة هذه القراءة في حركة الحياة، بل يأتي إلى القرآن نفسه فيفسده عليك من البداية، فإن أردت أن تنتصر عليه فاستعذ بالله منه. وحين تستعيذ منه بالله فإنك تلجأ إلى ركن قوي ودرع واق لا ينفذ إليك منه شيء من وسوسة الشيطان وهمزه وغمزه لذلك كان الشيطان واعيا حين قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٦١