تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أحمزة عم المصطفى أنت سيد

على شهداء الأرض أجمعهم طرا

وحسبك من تلك الشهادة عصمة

من الموت في وصل الحياتين بالأخرى

وهذه القضية العقدية التي استفاد منها سيدنا زكريا فطلب من الله الولد، استفادت منها السيدة مريم بعد ذلك حين حملت بلا ذكورة، فتذكرت

إن الله يرزق من يشآء بغير حساب

[آل عمران: 37] فاطمأن قلبها. فكلمة أنى في قوله تعالى: ﴿ وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ﴾ [سبأ: 52] هى بمعنى كيف، ومثلها قول السيدة مريم لما بشرت بعيسى:

أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر

[مريم: 20]. ومثل قوله تعالى:

أنى يحيي هذه الله بعد موتها

[البقرة: 259] فالسؤال هنا عن كيفية الإحياء، وهي مسألة لا تقال إنما تشاهد، ألم نقرأ قول سيدنا إبراهيم:

رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي

[البقرة: 260]. وللمستشرقين اعتراض على هذه الآية. يقولون: كيف يخاطب الله أبا الأنبياء إبراهيم ويقول له:

أولم تؤمن

[البقرة: 260] ويقول هو

بلى ولكن ليطمئن قلبي

[البقرة: 260]، وهل الإيمان إلا اطمئنان قلب إلى عقيدة ما؟ ونقول: الإيمان خلاف الاطمئنان هنا، فالإيمان بأن الله يحيى الموتى موجود عند إبراهيم، فهو لم يسأل: أيوجد إحياء للموتى من الله أم لا يوجد لأنه يؤمن بقدرة الله على إحياء الموتى، إنما يسأل عن كيفية ذلك، فالاطمئنان المقصود على الكيفية، بدليل أن الله تعالى أظهر له آية عملية وتجربة حسية في مسألة ذبح الطير لأن الكيفية كما قلنا لا تقال إخبارا إنما تشاهد. فالحق سبحانه ينكر على الكفار تناولهم للإيمان في هذا الوقت ﴿ وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ﴾ [سبأ: 52] التناوش تناول الشيء بيسر، وهم يريدون تناول الإيمان في آخر لحظة، وبعد فوات أوانه وضياع فرصته، يريدون إيمانا بلا تكاليف، وأنى لهم ذلك، وهم أبعد ما يكونون عن الإيمان، لأن محل الإيمان في الدنيا، فهذا القول منهم أشبه بقول أصحابهم الذين قالوا:

ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل

[فاطر: 37]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٩٦