تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا

[البقرة: 245] فالله يقترض من الخلق للخلق، وهو قادر سبحانه أن يوسع على الجميع، إنما الهدف أن يتعايش الناس بوداد المعونة، وأن يحب الغني الفقير، ولا يحقد الفقير على الغني. لذلك تختم الآية بقوله تعالى: ﴿ وهو خير الرازقين ﴾ [سبأ: 39] قال سبحانه خير الرازقين لأن الرازق: كل من يمد لك يده بما تنتفع به، وعليه فأبوك بالنسبة لك رازق، والذي يعولك ويتكفل بك رازق، كذلك ربك عز وجل رازق، لكن فرق بينهما، فأبوك رازق لأنه يأتي لك بالرزق، لكن إن سألته من أين هذا الرزق يقول: من عند الله، فهو سبب ومناول، أما الحق سبحانه فهو خالق الرزق لذلك قال ﴿ وهو خير الرازقين ﴾ [سبأ: 39]. وسبق أن أوضحنا: إذا رأيت صفة مشتركة بين الخلق والخالق فاعلم أن الجهة منفكة، فلكل ما يناسبه. إذن: حيثية الخيرية هنا أنه تعالى هو الرازق، وهو خالق الرزق، وهو الذى ييسر لك أسبابه حتى يصل إليك. وقالوا: خيرية الله في الرزق ناشئة من ثلاث مسائل: الأولى: أنه سبحانه لا يؤجل الرزق لوقت الحاجة إليه، إنما خلقه لك قبل أن يخلقك، وأعد لك مقومات الحياة قبل أن يستدعيك إليها. الثانية: أنه لا يحاسبك على ما رزقك. الثالثة: لا يطلب منك ثوابا على ما وهبك. لهذا كله كان الحق سبحانه وما يزال خير الرازقين، وتأمل مثلا فرعون لما ربى موسى عليه السلام امتن عليه، فقال:

ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين

[الشعراء: 18]. والمعنى: كان ينبغي عليك يا موسى أن تجاملنا، وتحفظ جميلنا عليك، وألا تصادمنا هذا الصدام. ومثل ذلك قول الحق سبحانه وتعالى:

حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين

[يونس: 109]. وقوله تعالى:

.. فتبارك الله أحسن الخالقين

[المؤمنون: 14]. في هذه الآيات كلها، الحق - تبارك وتعالى - راعى مواهب الخلق وقدر حركتهم الإيجابية في الحياة لذلك أثبت لهم صفة من صفاته وهي الخلق، ومعنى الخلق إيجاد شيء لم يكن موجودا، فالإنسان يعد خالقا حين يصنع من الرمل الكريستال مثلا: والحق سبحانه لا يضن عليه فيسميه خالقا، لكن إن كان الإنسان خالقا، فالحق - سبحانه وتعالى - أحسن الخالقين، لماذا؟ قالوا: حيثيات هذه الخيرية في عملية الخلق من عدة وجوه: منها: أولا: أن الإنسان يخلق من مادة موجودة، أما الخالق سبحانه فيخلق من لا شيء من العدم. ثانيا: صنعة الإنسان تظل على حالة واحدة، فلا تنمو ولا تتكاثر، أما خلق الله ففيه حياة، فهو يتغذى وينمو ويتكاثر.. الخ. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٨٣