وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين ﴾ [الأنفال: 65]. ونحن نرى أن المقياس هنا ليس بعدد المقاتلين فقط، ولكن لا بد أن يكونوا موصوفين بالصبر، وفي آية أخرى بالصبر والمثابرة، فمن الجائز أن يصبر عدوك فعليك حينئذ أن تصابره، أي إن صبر قليلا، تصبر أنت كثيرا، وإن تحمل مشقة القتال، تتحمل أنت أكثر. إذن فالقوة القتالية لكي يتحقق بها ولها النصر لا بد أن تكون قوة صابرة قوية في إيمانها قادرة على تحمل شدة القتال وعنفه. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى تعليل هذا الحكم الإيماني الذي أبلغنا به فيقول عز من قائل: ﴿ يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ [الأنفال: 65]. إذن فالسبب في أن المؤمن يغلب عشرة من الكفار، هو أن الكفار قوم لا يفقهون، وما داموا لا يفقهون، يكون المقابل لهم من المؤمنين قوما يفقهون. وهنا نقارن بين المؤمنين الذين يفقهون، والكفار الذين لا يفقهون ونقول: إن الكافر حين يقاتل لا يعتقد في الآخرة، وليس له إلا الدنيا ويخاف أن يفقدها، ولذلك حين يوجد الكافر في ساحة الحرب فهو يريد أن يحافظ على حياته ولو بالفرار، ولكن الدنيا بالنسبة للمؤمن رحلة قصيرة والشهادة هي الفوز برضوان الله ودخول الجنة بلا حساب، ولذلك فإنه يقبل على القتال بشجاعة من يريد الاستشهاد. ونجد خالد بن الوليد يقول للفرس: أتيتكم برجال يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة. فلو أن الكفار فقهوا أي فهموا أن الدنيا دار ممر ومعبر للآخرة، وأن الآخرة هي المستقر لأنها الدار الباقية، لامتلكوا قوة دافعة للقتال، ولكنهم يريدون هذه الحياة لأنها بالنسبة لهم هي كل شيء. ولذلك يعلمنا القرآن الكريم فيقول:
قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين
[التوبة: 52]. أي لن يحدث لنا في هذه الحرب إلا ما هو حسن، فإما أن ننتصر ونقهركم ونغنم أموالكم، وإما أن نستشهد فندخل الجنة وكلاهما حسن. ويكمل الحق سبحانه وتعالى:
ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون
[التوبة: 52]. أي أنكم أيها الكفار لن يصيبكم إلا السوء والخزي. إما عذاب شديد من عند الله بغير أسباب، وإما عذاب بأيدينا أي بالأسباب. إذن فالكافر حين يدخل المعركة لا ينتظر إلا السوء، إما أن يقتل ويذهب إلى جهنم - والعياذ بالله - وإما أن يصيبه الله بعذاب يدفع الخوف في قلبه أثناء المعركة.
والكفار في القتال لا يعتمدون إلا على قوتهم وعددهم وعدتهم أما المؤمنون فيعتمدون أولا على الله القوي العزيز ويثقون في نصره. ولذلك يقبلون على القتال ومعهم رصيد كبير من طاقة الإيمان وهي طاقة تفوق العدد والعدة، ويكون المقاتل منهم قويا في قتاله متحمسا له لأنه يشعر أنه مؤيد بنصر الله. ونعلم أن كل إنسان يحرص على الغاية من وجوده وغاية الكفار متاع الحياة الدنيا المحدود، أما غاية المؤمنين فممتدة إلى الآخرة. ولذلك فالكافر يحارب بقوته فقط وهو مجرد من الإيمان. ونلاحظ أن النصوص خبرية في قوله الحق تبارك وتعالى: ﴿ يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ [الأنفال: 65]. والنصوص الخبرية ليس فيها طلب، ، وإن كان الطلب يخرج مخرج الخبر ليوهمك أن هذا أمر ثابت. وعندما قام بعض المتمردين من سنوات ودخلوا الحرم بأسلحتهم وحاصروا الناس فيه قال بعض السطحيين: إن القرآن يقول:
ومن دخله كان آمنا
[آل عمران: 97]. وأن هذا خبر كوني معناه أن كل من دخل الحرم كان آمنا، وقلنا: إن قول الحق تبارك وتعالى: