" من خير معاش الناس لهم رجل يمسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانه، ورجل في غنيمة في شعفة من هذه الشعفاء وبطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من الناس إلا في خير ".
أي أنه لا ينتظر بل ينطلق لأي صيحة. ومن الإعجاز في الأداء القرآني أنه أعطانا ترتيبا للحرب، فالحرب أولا تبدأ بهجوم يحطم قوى العدو بالرمي، سواء كان بالصواريخ أم بالطائرات أم بغيرهما، ثم بعد ذلك يحدث الهجوم البري، ولا يحدث العكس أبدا. ورتب الحق سبحانه وتعالى وسائل استخدام القوة أثناء القتال، فهي أولا الرمي، وبه نهلك مكينا ثم نستولي على المكان، وكان ذلك يتم برباط الخيل الذي تقوم مقامه المدرعات الآن.
ونجد أن الحق سبحانه وتعالى جاء في القرآن الكريم بالأداء الذي يعلم ما تأتي به الأيام من اختراعات الخلق، ونجد في زماننا هذا كل قوة للسيارة أو المدرعة أو الدبابة إنما تقاس منسوبة إلى الخيل، فيقال قوة خمسة أحصنة أو خمسمائة حصان. ويقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ﴾ [الأنفال: 60]. فالقصد - إذن - من إعداد هذه القوة هو إرهاب العدو حتى لا يطمع فيكم لأن مجرد الإعداد للقوة، هو أمر يسبب رهبا للعدو. ولهذا تقام العروض العسكرية ليرى الخصم مدى قوة الدولة، وحين تبين لخصمك القوة التي تملكها لا يجترىء عليك، ويتحقق بهذا ما نسميه بلغة العصر " التوازن السلمي ". والذي يحفظ العالم الآن بعد سقوط الاتحاد السوفيتي هو التوازن السلمي بين مجموعات من الدول، بالإضافة إلى العامل الاقتصادي المكلف للحرب، فالقوة الآن لا تقتصر على السلاح فقط، ولكن تعتمد القوة على عناصر كثيرة منها الاقتصاد والإعلام وغيرهما. وصار الخوف من رد الفعل أحد الأسباب القوية المانعة للحرب. وكل دولة تخشى مما تخفيه أو تظهره الدولة الأخرى. وهكذا صار الإعداد للحرب ينفي قيام الحرب. ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.. ﴾ [الأنفال: 60]. ولا تظنوا أن من يواجهونكم هم أعداء الله فقط وقد سلطكم سبحانه عليهم، لا بل عليكم أن تعرفوا أن أعداء الله هم أعداؤكم أيضا لأنهم يفسدون الحياة على المؤمنين. وعدو الله دائما يحاول أن ينال من المؤمنين. وأن ينكل بهم، وأن يجبرهم إن استطاع على الكفر وأن يغريهم على ذلك. فالحق سبحانه وتعالى لا يغضب لأنهم لم يؤمنوا به، بل لأنهم لا يطبقون المنهج الذي يسعد الإنسان على الأرض، فسبحانه وتعالى لا يكرههم ولكن يعاقبهم بسبب الإفساد في الأرض وبغيهم وطغيانهم. ﴿ وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴾ [الأنفال: 60]. وهذه لفتة من الحق سبحانه وتعالى إلى أن أعداء المسلمين ليسوا هم فقط الذين ظهروا أثناء الرسالة من كفار قريش واليهود والمنافقين وغيرهم، ولكن هناك خلقا كثيرا سيأتون بعد ذلك لا تعلمونهم أنتم الآن ولكن الله سبحانه وتعالى يعلمهم، كما يلفتنا سبحانه إلى أن أعداء المسلمين ليسوا هم الذين يظهرون في ميدان القتال فقط ليحاربوا المسلمين، ولكن هناك كثيرا ممن لا يظهرون في ميدان القتال يحاربون دين الله ويحاربون المسلمين. وقد ظهر معنى هذه الآية الكريمة، ولا يزال يظهر للمسلمين، فظهرت عداوة الفرس والروم وحربهم ضد المسلمين، وظهرت عداوة الصليبيين وغيرهم. ومع الزمن سوف يظهر من يعلمهم الله ولا نعلمهم نحن.
وقد جاءت أحداث الحياة لتؤكد دقة تعبير القرآن الكريم. ثم يتناول الحق سبحانه وتعالى هواجس النفس البشرية، وهي تنصت لهذه الآيات من الإعداد العسكري، فالذي يخطر على البال أولا أن مثل هذا الإعداد يتطلب مالا، ويتطلب جهدا، ويتطلب زمنا فوق الزمن لقضاء المصالح والحوائج. فإياكم أن تنكصوا عن الاستعداد لأن كل ما تنفقونه في سبيل الله محسوب عند الله. وإياكم أن تقولوا: إن الإعداد لقوة المجتمع يحتاج مالا ويقتر على الأبناء لأن الله يرزقكم. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ﴾ [الأنفال: 60]. أي أن ما تنفقونه مما يقال له: شيء سواء أكان قليلا أم كثيرا يرد إليكم، ولقد جاء التعبير ب