تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إني أخاف الله والله شديد العقاب

[الأنفال: 48]. إذن فما دام إبليس يخاف الله، وما دام يعلم أن الله شديد العقاب فما الذي أذهب عنه هذا الخوف حين أمره الله بالسجود لآدم فعصى؟. خصوصا وهو يعلم أن الله شديد العقاب، ولو كان قد عرف أن الله لا يعاقب أو يعاقب عقابا خفيفا لقلنا أغرته بساطة العقاب بالمعصية. ولكن علمه بشدة العقاب كان يجب أن يدفعه إلى الطاعة من باب أولى. ونقول: إنه في ساعة الكبر نسي إبليس كل شيء!! فأنت في حين يأخذك الكبر تتعالى ولو في مواقع الشدة، حتى وإن علمت أنه قد يصيبك عقاب شديد، ولكن يختفي كل هذا من نفسك إذا دخل فيها الكبر. ولذلك قد تجد إنسانا يعذب بضرب شديد ولكن الكبر في نفسه يجعله لا يصيح ولا يصرخ. ونجد إنسانا قد يتخذ في لحظة كبر قرارا له عواقب وخيمة ولكنه يتحمله. وإبليس ساعة رفضه تنفيذ أمر السجود كان يمتلىء بالكبر والغرور، فتكبر على أمر الله وملكه الغرور فقال:

أأسجد لمن خلقت طينا

[الإسراء: 61]. إذن ففي لحظة الكبر نسي إبليس كل شيء، واندفع في معصيته يملؤه الزهو وأصر على المعصية رغم علمه أن الله شديد العقاب. وفي قوله تعالى: ﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ﴾ [الأنفال: 50]. نجد أنه قد حذف جواب " لو " والمعنى لو كشف الحجاب لترى الملائكة وهم يتوفون الذين كفروا لرأيت أمرا عظيما فظيعا، وهل يحدث هذا ساعة القتال عندما يقتل الكفار في المعركة وتستقبلهم الملائكة بالضرب، أم يحدث هذا الأمر لحظة الوفاة الطبيعية؟.

كلاهما صحيح والعذاب هذا أخذ صفة الإقبال ومحاولة الهرب، ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم.. ﴾ [الأنفال: 50]. فالمقبل منهم يضربونه على وجهه، فإذا أدار، وجهه ليتقي الضرب، يضربونه على ظهره، وكان الكفار يعذبون المؤمنين بهذه الطريقة فالمقبل عليهم من المؤمنين يضربونه على وجهه، فإذا حاول الفرار ضربوه على ظهره وعلى رأسه. ويذيق الله الكافرين ما كانوا يفعلونه مع المؤمنين. ولكن الفارق أن الضارب من الكفار كان يضرب بقوته البشرية المحدودة. أما الضارب من الملائكة فيضرب بقوة الملائكة. ويقال: إن الملائكة معهم مقامع من حديد. أي قطع حديد ضخمة يضربون بها وجوه الكفار وأدبارهم. ومن شدة الضربة واحتكاك الحديد بالجسم تخرج منه شرارة من نار لتحرق أجساد الكفار. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وذوقوا عذاب الحريق ﴾ [الأنفال: 50]. إذن فهم يضربون الكفار ساعة الاحتضار ضربا مؤلما جدا هذا الضرب رغم قسوته، والشرر الذي يخرج منه لا ينجيهم في الآخرة من عذاب الحريق. ولذلك

" أقبل صحابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله.. لقد رأيت في ظهر أبي جهل مثل شراك النعل. أي علامة من الضرب الشديد ظاهرة على جسده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك ضرب الملائكة، وجاء صحابي آخر وقال: يا رسول الله.. لقد هممت بأن أقتل فلانا فتوجهت إليه بسيفي، وقبل أن يصل سيفي إلى رقبته رأيت رأسه قد طار من فوق جسده. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبقك إليه الملك "

وذلك مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى:

إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان

[الأنفال: 12]. وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم.. ﴾ [الأنفال: 50]. أي أن الضرب فيه إهانة أكثر من العذاب، ولو أن العذاب قد يكون أكثر إيلاما. فقد يقوم مجرم بارتكاب جريمة ما فإذا أخذ وعذب ربما تحمل العذاب بجلد، ولكنه إذا ضرب أمام الناس كان ذلك أشد إهانة له، فإذا كان الضرب من الذي وقعت عليه الجريمة كانت الإهانة أكبر. ولكن هذا الضرب والعذاب لا ينجيهم من عذاب النار، بل يدخلون إلى أشد العذاب يوم القيامة، وهذه نتيجة منطقية لما يفعله الكفار من عدم الإيمان بالله، ومن قيامهم بإيذاء المؤمنين به والإفساد في الأرض. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٠٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٠٥٥