وما قاله المنافقون والذين في قلوبهم مرض يدل على الرغبة في اتقاء الضرر، مع أن هؤلاء في المدينة وهؤلاء في مكة ولكنهم قالوا شيئا واحدا، وهذا دليل على أن إغواء الشيطان للفريقين كان واحدا. ولذلك اتحدت العبارة. وقال هؤلاء وهؤلاء: ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾. قالها الفريقان فريق المنافقين وفريق الذين في قلوبهم مرض مع اختلاف المكان، فبعضهم - كما علمنا - من مكة وبعضهم من المدينة. إذن فلا بد من وجود قاسم مشترك دفعهم أن يقولوا قولا واحدا، أي أن الشيطان وسوس إليهم بهذه العبارة. ولذلك كان الوجب أن ينتبهوا إلى أن اتفاق القول دليل إغواء الشيطان لهم. وما معنى: ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾. غررت فلانا أي زينت له الأمر تزيينا بحيث يقبل عليه إقبالا لا ترشحه قوته له، وقويت استعداده لكي يقوم به، فإذا جئت لإنسان محدود الدخل مثلا وأردت أن تغريه بشراء سيارة. فأنت تقول لتزين له المسألة: اقترض من فلان وفلان وادفع الباقي بالتقسيط، كأنك تغريه أن يتخذ موقفا غير موقفه الذي كان ينوي القيام به. ولكن ما وجه الغرور في الدين؟. إن المؤمنين المغترين بدينهم قد أحسوا بكثرتهم رغم أن عددهم قليل. فأقبلوا على الحرب بالرؤيا التي أراها الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن عدد الكفار قليل، وبوعد الله لهم بالنصر، أو غرهم بأن أوضح لهم أن الذي يموت مقتولا في هذه الحرب يصير شهيدا وتكتب له حياة خالدة، وقد جعل ذلك القوي منهم والضعيف يقاتلان بقوة لأن الشهيد سيذهب إلى الجنة. وهكذا - في رأي المنافقين - اغتر المؤمنون بدينهم. ويرد الله عز وجل عليهم بقوله تعالى: ﴿ ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ﴾ [الأنفال: 49]. هذا هو الرد عليهم في أن المؤمنين لم يغرهم دينهم، بل إنهم متوكلون على الله ومن يتوكل على الله فهو حسبه وكافيه، وسبحانه عزيز لا يغلب، وحكيم يضع الهزيمة في موضعها والنصر في موضعه. إذن فالمسألة أن هؤلاء المؤمنين قد اختاروا الله فأعزهم ونصرهم. ولكن هل قيلت هذه العبارة من المنافقين علنا؟. لا، إنهم لم يجرءوا أن يعلنوها بل قالوها سرا في أنفسهم، فأعلم الله سبحانه وتعالى رسوله بما حدث في نفوسهم، وكانت هذه لفتة من الله سبحانه وتعالى بأن فضح حقيقتهم لعلهم ساعة يسمعون ما يدور في نفوسهم قد يتركون نفاقهم ويعودون إلى حظيرة الإيمان الصحيح، خصوصا إذا انتبهوا إلى قول الحق سبحانه وتعالى:
قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون
[التوبة: 52]. ففي هذه الآية الكريمة يوضح الله سبحانه وتعالى موقف المؤمنين في كل معركة يخوضونها، فهم إما أن ينتصروا ويهزموا الكفار ويقتلوهم ويأخذوا غنائمهم، وإما أن يستشهدوا فيدخلوا الجنة، وكل من الأمرين خير. وكشف الحق ما يدور في صدور المنافقين، وكان ذلك تنبيها للمؤمنين بألا يؤثر فيهم كلام المنافقين لأن المؤمنين قد توكلوا على الله والله غالب على أمره. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة... ﴾.