تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الفتح: 29]. والشدة هنا ليست غرورا، ولكنها طبع وملكة، ولو كانت غرورا لبقيت كما هي، ولكن المؤمن شديد على الكفار ذليل على المؤمنين لا يتكبر عليهم أبدا، ولا يمكن أن يجعله إيمانه في قالب جامد لأن الإيمان يعطي المؤمنين مرونة أمام الأحداث، لذلك نجد المؤمن لا هو شديد على إطلاقه، لأن هناك مواقف تتطلب الرحمة في التعامل مع المؤمنين، ولا هو رحيم على إطلاقه لأن هناك مواقف تتطلب الشدة في مواجهة الكفار. وكان سيدنا أبو بكر - رضي الله عنه - معروفا بأنه كان كثير البكاء من خوفه وخشيته لله وقلبه مليء بالرحمة على المؤمنين. ولكن عندما جاءت حرب الردة لمانعي الزكاة ماذا حدث؟. جلس هو وعمر بن الخطاب، والمعروف عن عمر أنه كان شديدا، وجلسا يتشاوران، وكان رأي عمر ألا يقاتلوا من ارتدوا بإنكارهم ومنعهم الزكاة لأنهم قالوا: لا إله إلا الله، فقال له أبو بكر: " والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه ". هذا هو أبو بكر الذي عرف عنه أنه كان كثير البكاء من خشية الله تعالى، وكان قلبه يمتلىء بالرحمة للمؤمنين. إنه يعلن في قوة وشدة في الحق أنه سوف يقاتل الخارجين على حدود الله والمانعين المنكرين للزكاة. ولو أن هذا الأمر حدث من عمر لقال الناس: شدة ألفناها، ولكن أن يحدث هذا الأمر من هذا الرجل الطيب الرحيم المطبوع على الرقة وعلى اللين فهو أمر يبين لنا شدة المؤمن في مواجهة الكفر. المؤمن - إذن - لا هو مطبوع على الشدة المطلقة ولا هو مطبوع على الرحمة المطلقة، لكنه شديد حين تكون الشدة مطلوبة للدين، ورحيم حينما تكون الرحمة مطلوبة للدين، وعزيز حين تكون العزة للدين، وذليل حين تكون الذلة للدين. إذن فقول المنافقين: ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾ لا يستند إلى حكم صحيح، بل هو مما يمليه عليهم نفاقهم، لماذا؟. لأن المؤمنين يتوكلون على الله دائما وينسبون كل الفضل لله تعالى: ﴿ فإن الله عزيز حكيم ﴾ [الأنفال: 49]. وما دام الله عزيزا فالذي آمن به عزيز، وسبحانه وتعالى يقول:

ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين..

[المنافقون: 8]. وما دام الله حكيما فهو يعطي الحكمة للمؤمنين، والتوكل على الله معناه أن تكل كل أمورك إليه سبحانه وتعالى، وأول هذه الأمور أنه أمرك بالأخذ بالأسباب، فلا تترك الأسباب أبدا، بل خذ بها دائما مع التوكل عليه فإذا لم تسعفك فهناك المسبب. فقد قال الحق تبارك وتعالى لعباده المؤمنين:

قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم..

[التوبة: 14].

وأمرنا سبحانه وتعالى: بالسعي فقال عز وجل:

فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه..

[الملك: 15]. فهو سبحانه وتعالى كما أمر المؤمنين بأن يقاتلوا ويأخذوا بالأسباب لأنه سبحانه يريد أن يعذب الكفار بأيدي المؤمنين، أمرهم سبحانه وتعالى كذلك أن يسعوا في سبيل الرزق. وأنت حين تتواكل تنقل صفة إلى صفة لأن التوكل عمل القلوب، والعمل تقوم به الجوارح، فلا تجعل التواكل عمل الجوارح لأن الجوارح تعمل بالأسباب. والقلوب تتوكل على الله، وهكذا نفهم أن التوكل الحقيقي للجوارح هو أن تعمل ولذلك فلا بد من العمل والأخذ بالأسباب مع التوكل، ولا بد لنا أن ننتبه إلى المنافقين في بدر الذين قال عنهم الله سبحانه وتعالى: ﴿ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم.. ﴾ [الأنفال: 49]. والمنافقون - كما قلنا - هم القوم الذين تتصارع ملكاتهم، وما على ألسنتهم يتناقض مع ما في صدورهم، أما الذين في قلوبهم مرض فهم ضعيفو الإيمان مسلمون ساعة الرخاء فارون من الدين ساعة الشدة. إذن فهناك فريقان ذكرهما الحق سبحانه وتعالى المنافقون وهؤلاء كانوا من الأوس والخزرج ملكاتهم متضاربة لأنهم كانوا يريدون السيادة على المدينة. وواحد منهم كان ينتظر أن يلبس تاج الملك، وبمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة تنتهي منه هذه الفرصة وتضيع فرصة الملك والزعامة، وقد أوجد ذلك في نفسه حقدا وغيظا. ولكن ظاهرة الإقبال من أهل المدينة كلهم على الإيمان والدخول في الإسلام جعلت هؤلاء المنافقين لا يستطيعون المقاومة لذلك نطقوا الشهادتين بألسنتهم وبقي في قلوبهم حقد وضغينة على الإسلام، فالواحد منهم تتجاذبه ناحيتان متعارضتان. والذين في قلوبهم مرض ليسوا منافقين ولكنهم ضعيفو الإسلام، وقد دخلوا إلى الدين ليأخذوا وهم لا يعطون، فإذا أعطاهم الإسلام بعضا من نعم الدنيا فرحوا بها، وإذا أصابتهم شدة هربوا. ومن هؤلاء بعض الذين أسلموا في مكة. ولكن إسلامهم لم يصل بهم إلى أن يهاجروا إلى المدينة خوفا من أن يتركوا أموالهم وأولادهم فظلوا في مكة، ومرضى القلوب هؤلاء لا يعدمون الحياة لأن المرض لا يعدم الحياة، لكنهم كانوا يعانون من عدم صحة الإيمان، ولما جاءت عملية القتال في غزوة بدر تشاوروا: أيذهبون مع الكفار أو لا يذهبون؟ ومع أي من الفريقين يقاتلون؟. وقالوا: نخرج مع الكفار فإن وجدنا أنهم أقوى كنا معهم، وإن وجدنا المسلمين هم الأقوياء انضممنا إليهم. ومن هؤلاء قيس بن الوليد المغيرة وعلي بن أمية بن خلف والعاصي ابن منية ابن الحجاج والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب وأبو القيس بن الفاكه ابن المغيرة. وتجمع هؤلاء مع بعضهم وذهبوا إلى المعركة لينضموا إلى المنتصر، مؤمنا كان أو كافرا. وهم أخذوا هذا الموقف لأن صحة الإيمان في قلوب هؤلاء غير موجودة فهم أصحاب قلوب مريضة ومتعلقة بحب الدنيا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٠٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٠٥٢