وهذه قمة الحياة الطيبة. وعلى فرض أنك ستتعب في سبيل منهج الله حين تبلغه للناس، دفاعا عنه بالحرب والقتال وبالتضحية بالأموال، فأنت رابح لحياة طيبة أبدية، ويبين القرآن الكريم لنا هذه الحياة في قول الحق تبارك وتعالى:
وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون
[العنكبوت: 64]. فالدار الآخرة ليست مجرد حياة، بل أكبر من حياة لأن حياتك الدنيا موقوتة ومحددة، ونعيمك فيها على قدر إمكانياتك وتصوراتك، ولكن الحياة الأخرى ليست موقوته بل ممتدة، ونعيمك فيها على قدر إمكانيات خالقك المنعم القادر. وهكذا نتأكد أنه صلى الله عليه وسلم قد دعانا إلى ما يحيينا. والحق سبحانه وتعالى حينما دعانا إلى الحياة الطيبة سمى المعيشة في منهجه حياة، لأنها حياة سعيدة، وتسلم إلى حياة خالدة. ولذلك سمى الحياة الأولى التي تأتي إذا نفخ الله الروح في المادة، وقال عن آدم وكل بني آدم:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي..
[ص: 72]. وأعطى الله سبحانه وتعالى هذه الحياة للمؤمن والكافر. وسمى سبحانه وتعالى ما يحمل المنهج للناس وهو القرآن روحا:
وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا..
[الشورى: 52]. والمنهج - إذن - روح من أمر الله سبحانه وتعالى نزل به الروح الأمين، وهذه هي الحياة المطلوبة لله سعادة، وتساندا، وخلودا في الجنة. ولذلك أنزل المنهج ليمنع التعاند والتعارض والتضاد بين المؤمنين، وليحمي كل مؤمن نفسه من الزلل، فيقاوم المعصية وهي صغيرة قبل أن تكبر وتستفحل. ثم يقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون ﴾ [الأنفال: 24]. وماذا يعني قوله تعالى: ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون ﴾؟. وأقول: إياك أن تظن أن الكافر - على سبيل المثال - يعلن أن قلبه قد انعقد على الكفر لأنه قد يجرب أن يخلع نفسه من هواه وينظر إلى حقيقة الإيمان فيقتنع به، ولن يسيطر على هواه، وقد انقلب أكثر من قلب شرير إلى قلب خير، مثل صناديد قريش من الكفار الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد كانت قلوبهم معقودة على الشر، لكنها لم تستمر على الشر، بل حال الحق بين كل إمرىء منهم وقلبه. والقلب هو محل التمنيات والأماني، وأول الأماني أن تطول حياة الإنسان، خصوصا وهو يرى أن من في مثل عمره يموت، ومن في مثل عمر والده يموت. وأن جده يموت، ولأن الإنسان يحب أن تطول حياته، يرغب في أن ينجب ولدا ليمتد ذكره، إنه يريد الحياة ولو من غيره، ما دام منسوبا له. كما أن الإنسان يحب الآمال، ويبني في أحلامه الكثير مما يريد أن يحققه، والواجب عليه ألا ينسى أن لهذا الكون إلها قادرا، قد ينهى حياة أي منا رغم أن كل إنسان يحلم أن تطول حياته، وقد يقف بين الإنسان وبين آماله التي يريد أن يحققها، ولا أحد منا معزول عن خالقه، وكل منا في يد الخالق، وسبحانه وتعالى لم يخلق الخلق ثم يترك النواميس لتعمل دون إرادته، بل كل النواميس في يده. وما دام الحق يحول بين المرء وتمنيات قلبه استطالة حياة، وتحقيق آمال، وسترا للموت وأسبابه وزمنه، كل ذلك لنتجه دائما إلى فعل الخير لنحيا في ضوء المنهج وأنت لا تعرف متى ينتهي الأجل، وإلى الله المصير. ويقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن... ﴾.