كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
وشاعر آخر يقول:
ذل من يغبط الذليل بعيش
رب عيش أخف منه الحمام
والحمام هو الموت، وكأن الموت - كما يراه الشاعر - أخف من الحياة المليئة بالمنغصات. إذن فليس مجرد الحياة الأولى هو المطلوب، بل المطلوب حياة خليفة يأتي في مجتمع خلفاء لله في الأرض. وكل منا موكل بالتعاون وإصلاح المجال الذي يخصه. ولا يصح للوكلاء أن يتعاندوا مع بعضهم البعض، بل عليهم أن يتفقوا لأنهم وكلاء لواحد أحد.
كذلك خلف الله الإنسان، خلفه خليفة له في الأرض وأنجب الخليفة خلفاء ليؤدوا الخلافة بشكل متساند لا متعاند. إننا - على سبيل المثال - حين نرغب في تفصيل جلباب واحد، نجد الفلاح يزرع القطن، والغزال يغزله، والنساج ينسجه، ومن بعد ذلك نشتريه لنذهب به إلى الخياط الذي يأخذ المقاسات المناسبة للجسم، ثم يقوم بحياكة الجلباب على آلة اشتراها بعد أن صنعها آخرون. إذن فجلباب واحد يحتاج إلى تعاون بين كثير من البشر، هكذا تتعاضد الحياة. وإذا نظرنا إلى العالم الذي نحيا فيه نجده مليئا بالتعب، خصوصا الأمم المتخلفة، وأيضا نجد التعب في الأمم المتقدمة لأننا نجد صعاليك من أية دولة يصعدون إلى طائرة تتبع دولة كبرى ويهددون بتفجير الطائرة بمن فيها ويفرضون الشروط، ويزلون الدولة الكبرى. إذن فالحياة حتى في الدول الراقية متعبة. وعلى سبيل المثال: الحروب التي قامت في منطقتنا منذ عام 1948 مع إسرائيل واستمرت كل هذه المدة الطويلة، ثم الحرب الأهلية في لبنان، ثم الحرب التي دارت بين العراق وإيران هذه الحروب تكلفت المليارات التي لو استخدمت في وجه آخر لرفعت من شأن تقدم بلادنا. إذن الذي يتعب العالم هو الحركة المتعاندة، والحق سبحانه وتعالى أنزل لنا المنهج القويم ليجعل حركة حياتنا متساندة. فإن اتبعنا المنهج صرنا نأخذ الأوامر من إله واحد، وصار كل منا مكلفا بالتعاون مع غيره، وهذا لن يحدث إلا إذا استجبنا لما يدعونا الله تشريعا والرسول بلاغا، وبهذا تتساند الحياة وتصبح حياة لها طعم. وينطبق عليها قول الحق تبارك وتعالى:
من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون
[النحل: 97]. أما من يحيا بغير منهج فتكون حالته كما يبينها قول الله تعالى:
ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى
[طه: 124]. وعلى هذا: فالعقاب على عدم اتباع المنهج الإلهي لا يتأخر إلى يوم القيامة، ولكن الحياة في الدنيا تكون مرهقة، والمعيشة ضنكا. إذن إياكم أن تفهموا أن المنهج الديني لله غايته الآخرة فقط، لا. بل إن اتباع المنهج الديني لله جزاؤه في الآخرة، وأما ثمرته ففي الدنيا. فمن يوفق في هذه الدنيا، وحركته متساندة مع غيره، يعطي له الله الجزاء في الحياة المستريحة في الدنيا بالإضافة إلى جزاء الآخرة. وهكذا نفهم أن موضوع الدين هو الدنيا، أما الآخرة فهي جزاء على هذا الاختبار الدنيوي. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ إذا دعاكم لما يحييكم.. ﴾ [الأنفال: 24]. أي يعطيكم منهجا من إله واحد لا يعود بالخير عليه ولا على المبلغ عنه وهو الرسول، وإنما يعود بالخير عليكم أنتم، وتلك هي حيثيات الاستجابة، ومن لا يستجيب لهذه فهو الأحمق.
﴿ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم.. ﴾ [الأنفال: 24]. إذن فالخير يأتي من أمر إله واحد فلا يجعل كل منا إلهه هواه، حتى لا تتعدد الأهواء:
ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن..
[المؤمنون: 71]. ولذلك لا يتعرض التشريع من الله سبحانه وتعالى إلا ما للأهواء فيه مدخل، أما الشيء الذي ليس للأهواء فيه مدخل فهو يترك الإنسان ليواجهه بملكاته التي خلقها الله له، والشرع يتدخل فقط فيما يمكن أن يخضع للهوى، أما الأمور التي لا تخضع للهوى فألد الأعداء يتفقون فيها. والحياة الآن فيها موجة ارتقاء طموحي علمي، وهذا الطموح العلمي نشأ عن التجربة في المعمل حيث يجلس العلماء الوقت الطويل ليخترعوا ويطوروا، مثال ذلك: " أديسون " الذي قضى وقتا طويلا ليخترع المصباح الكهربي، وغيره من العلماء طوروا مخترعاته وجاءوا باختراعات جديدة، ولم ندر عنهم شيئا إلا أننا نفاجأ بمخترع قد أتى منهم، والعالم من هؤلاء تجده أشعث أغبر، لا يفكر في العناية بحسن مظهره وقد لا يأكل ولا يشرب، ولا تدري أنت به إلا إذا الثمرة من عمله واختراعه جاءت، ويقال: فلان اخترع الشيء " الفلاني ". وتنتفع أنت بما اخترع رغم أنك لم تشق شقاءه حين أخذت الخير الناتج منه. ونرى المعسكرات المتضادة في عالمنا المعاصر تحاول أن تسرق تجارب غيرها في العلوم، وهذه المعسكرات تختلف فقط في الأهواء، فذلك شيوعي، وآخر رأسمالي، وثالث وجودي. الخلاف - إذن - في الأهواء غير المحكومة بالمادة أو بالتجربة. ومن المؤسف حقا أن ما اتفقنا عليه كالعلوم المادية الكونية التي هي وليدة التجربة، هذه المخترعات نستعملها في فرض ما نختلف فيه، وهكذا تجد أن التعب في العالم إنما يأتي من الطموح الأهوائي لا الطموح المادي العلمي لذلك يتدخل الشرع في الأهواء ويحسمها ليكون كل منا عبدا لله تعالى، وكل منا حر أمام غيره. والرسول صلى الله عليه وسلم بمنهجه الذي جاء به من الله يدعو الحي - صاحب الحس والحركة - إلى أن تكون حياته حياة طيبة ليس فيها ضنك هذا إن نظرنا إلى كيفية الحياة. فإن قسنا الحياة بعمر الآخرة، فهي لا تساوي إلا القليل لأن ما لا نختلف فيه كأفراد في الخلافة يجب أن يكون غاية للخلفاء، فربنا قد يخلق واحدا ليموت في بطن أمه، وواحدا يموت بعد ساعة من مولده، وثالثا يموت بعد شهر من ميلاده، ومنا من يعمر مائة سنة، ولا يمكن أن يكون الأمر المختلف فيه غاية للمتحدين في الجنس، فالغاية أن نعمر الدنيا بالعمل الصالح لنسعد بها، ونعبر منها إلى ما هو أجمل وهي الآخرة، ومأمون فيها أننا لا نموت، ومأمون فيها أننا لن نتعب أبدا، لأنه كلما اشتهيت شيئا ستجده أمامك.