تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هذه من حكمة الله تعالى، ونحن نرى ذلك في حياتنا، فنجد أهل الريف يضعون فوق جداول الماء جزع نخلة أو " عرقا " من الخشب ليسير عليه الإنسان بين الشطين، وإن فكر السائر في هذه المسألة قد يقع في الماء، لكنه إن ترك رجليه للسير تلقائيا، فهو يمشي محققا التوازن، ومثل هذا الأمر يحدث في صناعة سلالم البيوت، إننا نجدها متساوية في ارتفاع درجاتها ليصعد الإنسان صعودا رتيبا من غير تفكير، فإذا اختلت درجة واحدة في السلم بأن كا ارتفاعها مختلفا عن بقية الدرجات يختل التوازن ويقع الإنسان لأن الساق ضبطت نفسها آليا على هذا الوضع. ولذلك نجد الصعود على السلالم الحلزونية متعبا لأن السلالم الحلزونية فيها جهة واسعة وأخرى ضيقة. وقد يرتبك الإنسان أثناء الصعود، ولهذه الأسباب نجد الجيوش تكشف طبيا على المجندين، ولا يختارون إلا الشخص المستوي القدمين لتستقبل أقدامه كل الظروف ويكون قادرا على مواجهة الظروف غير العادية، ومن عظمة الخالق سبحانه وتعالى أن جعل كل عضو من الأعضاء له مواصفات خاصة. وسبحانه يذيل هذه الآية بقوله عز وجل: ﴿ ويثبت به الأقدام ﴾. وتثبيت الأقدام من جهة يمثل أمرا معنويا، ومن جهة أخرى يكون تثبيت الأقدام " بمعنى أن نزول المطر جعل الأرض ثابتة " ولا تثير الغبار أو الرمال، وسبحانه هو القائل في مناسبة أخرى:

وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لمآ أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين * وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين

[آل عمران: 146 - 147]. وهكذا نفهم أن تثبيت الأقدام له ألوان متعددة، حسية ومعنوية. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: ﴿ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٩٨