تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغآؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون

[الروم: 23]. وانظر إلى كلمة " النهار " هذه ترى فيها الرصيد الاحتياطي الموجود في آية النوم لأنه سبحانه وتعالى يقول:

ومن آياته منامكم بالليل..

[الروم: 23]. وفي هذا القول رصيد احتياطي لمن جاء له ظرف من الظروف ولم ينم بالليل، فيعوض هذا الأمر وينام بالنهار، ومن حكمة الله تعالى أنه ذيل هذه الآية بقوله عز وجل:

إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون

[الروم: 23]. وهذا بسبب أن النوم يعطل كل طاقات الجسم، فعندما ينام الإنسان لا يقدر جسمه على أن يتحرك التحرك الإرادي، إلا السمع فهو باق في وظيفته لأن به الاستدعاء، وإن العين - مثلا - لا ترى أثناء النوم، إنما الأذن تسمع ولا تتخلى عن السماع أبدا لأن بالأذن يكون الاستدعاء، فإذا ما نادى الأب ابنه وهو نائم فهو يسمع النداء. لذلك قلنا سابقا: إن الحق سبحانه وتعالى حينما أراد أن ينيم أهل الكهف ثلثمائة سنة وازدادوا تسعا، قال تعالى:

فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا

[الكهف: 11]. لأنه لو لم يضرب على آذان أهل الكهف لظل السمع باقيا، فإذا ظل السمع، أهاجته الأعاصير، وعواء الذئاب، وزئير الأسود، ولما استطاعوا النوم طيلة هذه المدة. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ إذ يغشيكم النعاس أمنة منه.. ﴾ [الأنفال: 11]. وقد يتبادر إلى الأذهان سؤال هو: وهل هناك نعاس غير أمنة؟ والجواب نعم لأنه مجرد الراحة من تعب لتنشط بعدها، هذا لنفهم أن " أمنة " جاءت لمهمة هي تهدئة أعماق المؤمنين في المهيجات المحيطة، فهذا عدو كثير العدد، وهم بلا عتاد لذلك شاء الحق تبارك وتعالى ألا يضيع منهم الطاقة اللازمة للمواجهة، ولا تتبدد هذه الطاقة في الفكر لذلك جعل نعاسهم مخصوصا يغلبهم وهو " نعاس أمنة " ، وجعل المولى عز وجل من هذا النعاس آية، حيث جاءهم كلهم جميعا، وهذه بمفردها آية من آياته سبحانه وتعالى ولو غلبهم النوم العميق لمال عليهم الأعداء ميلة واحدة، ولكنهم أخذوا شيئا من الراحة التي فيها شيء من اليقظة.

﴿ إذ يغشيكم النعاس أمنة ﴾. وهنا النعاس مفعول به، وهو أمنة من الله، وسبحانه يقول في آية أخرى:

ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا..

[آل عمران: 154]. هنا في آية الأنفال نعاس وأمنة، وهناك في آية آل عمران أمنة ونعاس لأن الحالتين مختلفتان - فتوضح آية آل عمران أن النعاس قد غشى طائفة واحدة من المقاتلين في غزوة أحد بعد أن أصابهم الغم في هذه الغزوة، وهؤلاء هم المؤمنون الصادقون الملتفون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما في سورة الأنفال فتبين الآية أن النعاس قد غشى الجيش كله حيث كان الجميع على قلب رجل واحد والإيمان يملأ قلوبهم جميعا ولا يوجد بينهم منافق أو مرتاب فغشيتهم جميعا هذه الأمنة بالنعاس لأنه يزيل الخوف، ومن دلائل الأمن والطمأنينة والثقة بنصر الله. ويقول الحق تبارك وتعالى متابعا في ذات الآية: ﴿ وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان.. ﴾ [الأنفال: 11]. ومعنى التطهير أن هناك حادثا يستحق التطهر منه وهم لم يجدوا ماء ليتطهروا به حيث كان المشركون قد غلبوا المسلمين على الماء في أول الأمر، فظمئ المسلمون وانشغلوا بالعطش، وبالرغبة في تطهير أجسامهم، وهذا يدل على أن المؤمن يجب أن يظل نظيفا، رغم الوجود في المعركة التي لو استمر فيها الواحد منهم يوما أو اثنين دون استحمام، لما لامه أحد على ذلك، وجاء هذا القول ليدل على حرص المؤمن على النظافة إن خرج شيء من الإفرازات والعرق، أو كان التطهر من رجز الشيطان لأن الشيطان خيل لهم منامات جنسية، وأخذ يوسوس قائلا لهم: أنتم تقولون إنكم على حق، فكيف تصلون وأنتم جنب؟ وكان مجرد حدوث هذا الأمر لهم جميعا هو آية أخرى من الآيات. فأغاظ الله الشيطان وأنزل عليهم الماء ليشربوا ويتطهروا. ويقول المولى سبحانه وتعالى في ذات الآية: ﴿ وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ﴾ وأراد الحق تبارك وتعالى أن يطمئن المؤمنين فلا تتوزع أو تتشتت مشاعرهم، وما أن نزل المطر حتى حفروا الحفر ليتجمع فيها الماء، وهكذا حماهم سبحانه وتعالى من نقص الماء، كما أن نزول المطر على الأرض الرملية نعمة كبرى - من جهة أخرى - حيث يثبت الرمال على الأرض فلا تثير غبارا، ونعلم أن الإنسان حين يسير على الأرض، فإن ثقله يدك ما تحته مما يحتمل الدك على قدر وزنه، فالطفل الصغير حينما يمشي على الرمال، فأثر سيره يكون بسيطا، عكس الرجل الضخم، وإن قستها بالنسبة لوزن الصبي أو الغلام، وبوزن الرجل الممتلئ، تجد أن الأرض قد غاصت بنسبة الكتلة التي سارت عليها، وحين يسير الناس دون عمل ولا يقصدون غير السير، يكون الثقل خفيفا، أما حين يدخل الرجال الحرب فالأقدام قد تغوص في الرمال وقد يصير جزء من جسد المقاتل معطلا عن الحركة لأن القدم هي التي تحقق التوازن.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٩٧