له معقبت من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله
[الرعد: 11]. وسبحانه أيضا القائل:
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد
[ق: 18]. وهؤلاء الملائكة هم الموكلون بمصالح الإنسان في الأرض، المطر مثلا له ملكه، الزرع مثلا له ملكه، وكل شيء له ملك. وهو سبب خفي غير منظور يحرك الشيء. ﴿ فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ﴾. والإمداد هو الزيادة التي تجيء للجيش، لأن الجيش إذا ووجه بمعارك لا يستطيع أن يقوم بها العدد الموجود من الرجال أو السلاح، حينئذ يطلب قائد الجيش إرسال المدد من الرجال والعتاد. ﴿ أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ﴾. ونعلم أنه ساعة أن أمر ربنا الملائكة أن تسجد لآدم، لم يكن الأمر لكل جنس الملائكة، بل صدر الأمر إلى الملائكة الموكلين بمصالح الأرض. أما الملائكة غير الموكلين بهذا، فلم يدخلوا في هذه المسألة، ولذلك قلنا إن الحق سبحانه وتعالى حينما عنف إبليس، قال له:
أستكبرت أم كنت من العالين
[ص: 75]. والمقصود ب " العالين " هم الملائكة الذين لم يشملهم أمر السجود. والحق تبارك وتعالى هنا في هذه الآية يبين أنه سبحانه وتعالى قد أمد المسلمين المحاربين في غزوة بدر ب: ﴿ بألف من الملائكة مردفين ﴾ والردف هو ما يتبعك، ولذلك يقال: " فلان ركب مطيته وأردف فلانا " ، أي جعله وراءه.
والمردف هو من يكون في الأمام، والمردف هو من يكون خلفه. والآية توضح لنا أن الملائكة كانت أمام المسلمين لأن جيش المسلمين كان قليل العدد، وجيش الكفار كان كثير العدد، وجاءت الملائكة لتكثير عدد جيش المسلمين، فإذا كان العدد مكونا من ألف مقاتل، فقد أرسل الحق ملائكة بنفس العدد ويزيد بذلك جيش المؤمنين بعدد المؤمنين. وكان يكفي أن يرسل الحق ملكا واحدا، كما تحكي الروايات عما حدث لقوم لوط، فقد روي أن جبريل - عليه السلام - أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط، وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمار، ونباح الكلاب، وصياح الديوك، ولم تنكفىء لهم جرة، ولم ينسكب لهم إناء، ثم قلبها دفعة واحدة وضربها على الأرض. وصيحة واحدة زلزلت قوم ثمود. لماذا إذن أرسل الحق تبارك وتعالى هنا ألفا من الملائكة؟. حدث ذلك لتكثير العدد أمام العدو وليفيد في أمرين اثنين: الأمر الأول: أن تأخذ العدو رهبة، والأمر الثاني: أن يأخذ المؤمنون قوة لكن أكان للملائكة في هذه المسألة عمل؟ أو لا عمل لهم؟ هنا حدث خلاف. ونجد الحق تبارك وتعالى يقول: ﴿ وما جعله الله إلا بشرى... ﴾.