فمن الجائز أن يخضر الزرع وينمو، ثم تأتي له آفة من مطر أو حر وتضيعه. ومن ينقل التوكل إلى الجوارح. نقول له: أنت تواكلت، أي نقلت عمل القلب إلى الجوارح. ومن يقول ذلك إنما يكذب على نفسه وعلى الناس. لأنه تكاسل عن الأخذ بالأسباب وادعى أنه متوكل على الله. ولو كان الواحد من هؤلاء صادقا في توكله على الله لأخذ بالأسباب. وعادة فإني دائما أقول لمن يدعي التوكل مع الكسل: لماذا لا تترك الطعام يأتي إلى فمك، لماذا تمد إليه يديك؟. إن من يكسل إنما يكذب في التوكل، فلا أحد مثلا يترك قطعة اللحم تقفز من طبق الطعام إلى فمه، لكنه يأخذها بيده. ويمضغها بأسنانه، ويبلعها بعد المضغ، ولو كان صادقا في أن التوكل هو ألا تعمل جوارحه لما فعل شيئا من ذلك، لكنه يكذب ويتواكل فيما يتعبه ويشغل جوارحه فيما يريحه، ولا يستعملها في الأمور التي تتعبه. وقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾. هذا القول يعني أنهم يؤمنون بأن الأسباب من خلق الله. وحين يأخذ المؤمن بالأسباب فهو يؤمن أنه لاجىء إلى الله ومعتمد عليه، لكن إن عزت عليه الأسباب فهو يعلم أن له ربا، ولذلك قال: ﴿ وعلى ربهم ﴾ ، والرب هو الخالق من عدم، والممد من عدم، وما دام قد خلقك وأمدك من عدم قبل أن يكلفك، فهل من المعقول أن يظلمك؟ طبعا لا. لكن عليك أن تفطن أنه خلق لك جوارح، فاستعمل الجوارح فيما خلقت من أجله. وتأتي الآية التالية لتوضح عمل الجوارح، وهي تحمل الصفتين الرابعة والخامسة من صفات المؤمنين: ﴿ الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ﴾ [الأنفال: 3]. والقيام والقعود والقراءة والتسبيح والتكبير في الصلاة عمل جوارح، وكذلك الزكاة هي عمل ناتج من عمل سبق، فحتى تخرج الزكاة لا بد أن تبذل الجهد وتأخذ بالأسباب لتنتج ما يعولك أنت ودائرتك القريبة من زوجة وأبناء ثم أقارب، ومن بعد ذلك يفيض من المال ما تستقطع منه الزكاة، وهذه بطبيعة الحال غير زكاة الزروع التي تخرج في يوم الحصاد.
وآتوا حقه يوم حصاده
[الأنعام: 141]. ودائما ما نجد الصلاة والزكاة وهما مقترنتان ببعضهما، ولا تجد آية فيها ذكر للصلاة إلا وفيها ذكر للزكاة أيضا لأن الصلاة تعني ترك أمورك الحياتية التي تسعى فيها لدنيا الأسباب، وتذهب إلى الحق سبحانه وتعالى وتقف بين يديه، أي أنك قد اقتطعت جزءا من الزمن الذي كنت تقضيه في حركة حياتك لتقف فيه أمام ربك خالق الأسباب.
والزكاة تعني أنك تقتطع جزءا من مالك، ولذلك قلنا: إن الصلاة فيها زكاة وزيادة، فأنت تخرج مقدار اثنين ونصف في المائة مما يتبقى معك من مال يبلغ نصابا ويكون زائدا عن الحاجة الأصلية، لكنك بالصلاة تضحي ببعض الوقت الذي تقضيه في العمل الذي يأتي لك بأصل المال، إذن ففي الصلاة زكاة وأكثر. وأنت في الزكاة تتنازل عن بعض المال، لكنك في الصلاة تتنازل عن الوقت الذي هو محل العمل، وهو الذي تنتج فيه الرزق، والرزق وعاء الزكاة. ويذيل الحق سبحانه وتعالى هذه الآية قائلا: ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ ونعلم أن الرزق كما ذكر العلماء هو كل شيء ينتفع به الإنسان، وحتى اللص الذي يسرق وينتفع بسرقته يعد هذا بالنسبة له رزقا لكنه رزق غير طيب وله عقاب في الدنيا إن تم ضبطه، ولن يفلت من عقاب الله الحاكم العادل في الدنيا والآخرة، وهو بطبيعة الحال غير الرزق الحلال الذي يأتي من عمل مشروع، والمؤمن الحق هو من ينفق من هذا الرزق الحلال سواء لمتطلبات حياته أو رعاية المجتمع الإيماني. وبعد ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ أولئك هم المؤمنون... ﴾.