وجبريل عليه السلام حين جاء يسأل ليعلم بعضا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له الرسول عليه السلام عن الإيمان:
" أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر "
، وفي رواية أخرى ذكر القضاء والقدر خيره وشره. وهذه كلها أمور غيبية، ولا يقال في الأمر المحس إيمان، فلا يقول واحد: أنا مؤمن أنى أتحرك على الأرض لأن هذا أمر حسي. والإيمان لا يكون إلا بالأمور الغيبية وأولها أن تؤمن بإله واحد لا تدركه الأبصار وهو غيب، وبملائكته وهي غيب، وصدقنا وجودها لأنه أبلغنا بذلك الوجود. وكذلك أن نؤمن بالكتب المنزلة على الرسل. وبالرسل، وصحيح أن الكتاب أمر حسي والرسول كذلك له وجود حسي، لكن لم نشاهد الوحي وهو ينزل الكتاب على الرسول. إذن فهو أمر غيبي، وكذلك الإيمان باليوم الآخر أمر غيبي أيضا، والايمان بالقضاء والقدر وهو ما غابت عنا حكمته، وكلها إذن أمور غيبية. هذا الإيمان في القمة، لكن هناك إيمان آخر يجيء لأننا نعلم أن التشريعات لم تأت مرة واحدة، بل كانت تأتي على مراحل، فتشريع ينزل أولا بأن نؤمن أنه من الله. إذن فالذي يزيد وينقص من الإيمان هو الإيمان بالتكليفات، وأنها صادرة من الله عز وجل، وكلما كانت تنزل آية بتشريع جديد كانت تزيد المؤمنين إيمانا، فعندما نزل الأمر بالصلاة آمنوا بإقامتها واستجابوا ونفذوا، ثم جاء الصوم فامتثلوا للأمر به، ثم يجيء الأمر بالزكاة فتكون الطاعة والتنفيذ، وطبعا هناك فرق بين أن تؤمن بالشيء، وأن تفعل الشيء.
فالإيمان شيء، وفعله شيء لأن الإسلام هو الانقياد الظاهري للمنهج، وتطبيق كل ما يجيء به الإسلام هو إيمان مستمر متزايد لأننا آمنا بأن ما يجيء من المنهج هو من الله. إذن فالذي يزيد هو توابع الإيمان من التكليفات والامتثال لهذه التكليفات، مثال ذلك: كلنا نعرف قول الحق:
ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا
[آل عمران: 97]. لكن هناك أناس يتمسكون بحرفية قوله الحق:
ومن كفر فإن الله غني عن العالمين
[آل عمران: 97]. والذين يتمسكون بحرفية القول الحق لم يتساءلوا: كفر بماذا؟ هل كفر لأنه لم يحج؟ لا، إن كفره في هذه المسألة لا يكون إلا بأن ينكر أن الحج ركن من أركان الإسلام، فالمطلوب منا إيمانيا أن نقر بالحج كركن من أركان الإسلام في حدود الاستطاعة، فإن فعله الإنسان كان قد نفذ الحكم، أما إن لم يفعله فقد يكون ذلك في حدود عدم الاستطاعة. ويذيل الحق تبارك وتعالى هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها بقوله: ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾. ومتعلق الجار والمجرور دائما يكون متأخرا، بينما هنا يتقدم الجار والمجرور لذلك ففي الأسلوب حصر وقصر، مثلما نقول: " لزيد المال " أي أن المال ليس لغيره، وقول الحق: ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ أي لا يتوكلون على غيره، بل قصروا توكلهم على الله سبحانه وتعالى، والتوكل: أن تؤمن بأن لك وكيلا يقوم لك بمهام أمورك، بدليل أن الشيء الذي لا تقوى عليه تقول بصدده: " وكلت فلانا ينجزه لي على خير وجه " وحتى تختار الذي توكله ويكون مناسبا لأداء تلك المهمة فأنت تعلن باطمئنان: أنك قد وكلت فلانا. إذن معنى ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ أي أنهم يكلون أمورهم على من ائتمنوه على مصالحهم، وهو الحق سبحانه وتعالى القادر العظيم الذي خلق الكون، وخلق فيه أسبابا تؤدي إلى مسببات الأسباب مقدمة، والمسببات هي النتيجة. وبعد ذلك ترك أمورا ليس فيها أسباب، إلا أن نلحظ دائما المسبب وهو الله تعالى، فكل أمر يعز عليك في أسبابه إياك أن تيأس من أنه لا يحدث، بل قل: تلك هي قضية الأسباب، أما أنا فلي رب خلق الأسباب. وهو القادر فوق كل الأسباب، وفي حياتنا اليومية نلحظ أن الناس يخلطون بين عمل الجوارح، وعمل القلوب، ويظن إنسان ما أنه متوكل ولا يأخذ بالأسباب ويركن إلى الكسل ويقول: أنا متوكل على الله، وهذا نقول له: لا، إن هذا منك تواكل وليس توكلا لأن التوكل ليس عمل جوارح، التوكل عمل قلوب. والمؤمن الذي يستقبل منهج الله بالفهم يجد الأسباب التي يجب أن يأخذها، وسبحانه وتعالى هو المسبب الأعلى، والإيمان يؤكد أن الجوارح تعمل والقلوب تتوكل، فعلى الجوارح أن تحرث الأرض، وأن تختار البذرة الطيبة، وتنثرها في الأرض، ثم ترويها، وتتعهدها، وهذه العمليات اسمها الأسباب، ثم لا تركن إلى الأسباب فقط، بل عليك أن تقول: إن فوق كل الأسباب هناك المسبب.