تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة ".

إذن تشريع الله للغنائم في الإسلام أمر زائد عن الأصل لأن الغنائم لم تحل لأحد من الأنبياء قبل رسولنا صلى الله عليه وسلم. وهناك نفل، وهناك غنيمة، وهناك فيء، وهناك قبض. وسنوجز معنى كل منها: الغنيمة: هي ما يأخذه المسلمون من الأعداء المهزومين، وتقسم فيما بينهم بنسب معينة، فللرجل المقاتل سهم واحد، وللفارس سهمان، وهذا على سبيل المثال فقط وتقسيمها حسب تشريع الله عز وجل، وسبق بيان النفل والنفل بفتح الوسط وسكونه، والفيء هو كل مال صار للمسلمين من غير حرب ولا قهر - " والقبض " بتحريك الوسط بمعنى المقبوض وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم.

لكن إذا جاء ولي الأمر وبين للمقاتلين مشجعا لهم على حركة الحرب مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:

" من قتل كافرا فله سلبه ".

فلذلك أمر زائد في حصته في الغنيمة. وقد يبعث القائد سرية ويشجعها على خوض الصعاب فيقول لأفراد تلك السرية: لكم نصف ما غنمتم، أو الربع أو الخمس، فهذا يعني أن من حقهم أن يأخذوا النسبة التي حددها لهم القائد كأمر زائد، ثم تقسم الغنائم من بعد ذلك، وساعة يأخذ المقاتلون الأسلاب والمتاع، والعتاد والأموال من الأسرى، فهذه تسمى غنائم، أما حين تجمع الغنائم عند ولي الأمر فيصير اسمها القبض وقد سبق بيانه. وفي يوم بدر حدثت واقعة يرويها الصحابي الجليل سعد بن مالك رضي الله عنه قائلا:

" قلت يا رسول الله: قد شفاني الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف، قال عليه الصلاة والسلام: " إن هذا السيف لا لك، ولا لي، فضعه " ، قال: فوضعته، ثم رجعت، فقلت: عسى أن يعطي هذا السيف من لا يبلي بلائي، قال: فإذا رسول الله يدعوني من ورائي. قال الصحابي: قد أنزل الله في شيئا؟. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت سألتني السيف، وليس هو لي، وأنه قد وهب لي، فهو لك "

، قال: وأنزل الله هذه الآية: ﴿ يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ﴾ [الأنفال: 1]. أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ليحكم في أمر السيف إلا بعد أن ينزل حكم الله عز وجل. ونعلم جميعا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى غزوة بدر ولم يكن يقصد القتال، بل كان الخروج للعير التي تحمل بضائع قريش القادمة من الشام، وليس معها إلا بعد أربعون رجلا يحرسونها، ولذلك خرج المسلمون وكان عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا وليس معهم عدة أو عتاد، بل لم يكن لديهم إلا فرسان اثنان لأنهم لم يخرجوا لقتال، بل خرجوا للعير بغية أن يعوضوا أنفسهم شيئا مما سلبوه في مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان سلك طريق الساحل. أي سار في طريق بعيد عن المسلمين ولم يأت من جهة الرسول والذين معه، واستنفرت قريش كل رجالها ليحموا العير، وصار الأمر بين أن يرجع المؤمنون دون حرب، وإما أن يواجهوا النفير، وهو التعداد الكثير، وكانوا ألفا ومعهم العدة والعتاد، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشجع الفتيان على الحرب فقال لهم:

" من قتل كافرا فله سلبه "

، أي أنه خصهم بأمر زائد عن سهمهم في الغنيمة. فلما علم الكبار من الصحابة والشيوخ، قالوا: يا رسول الله هم قاتلوا وقتلوا، لكن نحن كنا عند الرايات، يفيئون إلينا إن وقعت عليهم هزيمة فلا بد أن نتشارك، وحدث لغط وخلاف، فحسم الله سبحانه وتعالى هذا اللغط بأن أنزل قوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله ﴾.

فبين سبحانه أن الحكم في قسمة الغنائم بين الجميع لله وللرسول وإياكم أن تخرجوا عن أمر الله فيها، واجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية. فلا تنازعوا ولا تختلفوا ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾. إن كان قد حصل بين الطرفين، الشبان والشيوخ الكبار قليل من الخلاف فأصلحوا ذات بينكم. وساعة تسمع ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ قد تسأل: ما هو البين؟ الجواب " البين " هو ما بين شيئين، فحين يجلس صف من الناس بجانب بعضهم البعض، فما بين كل منهم هو ما يسمى " البين " ، وقد يكون الذي يفصلنا عن بعض " بين مودة " أو بين جفوة، إذن فالبين له صورة وله هيئة، فإن كانت الصورة التي بينكم وبين بعضكم فيها شيء من الجفوة فأصلحوا السبب الذي من أجله وجد " البين " حتى لا يكون بينكم جفوة ونزاع. ثم يقول تبارك وتعالى: ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ [الأنفال: 1]. وقلنا إن أمر الطاعة معناه الامتثال، والطاعة ليست للأمر فقط بل للنهي أيضا، لأن الأمر طلب فعل، والنهي طلب عدم فعل، وكلاهما طلب. وحينما يقول الحق: ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ [الأنفال: 1]. تفهم هذا القول على ضوء ما عرفناه من قبل وهو أن مسألة الطاعة أخذت في القرآن صورا ثلاثا، الصورة الأولى: يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ وفيها يكرر المطاع وهو الله والرسول، ولكنه يفرد الأمر بالطاعة. ومرة ثانية يقول المولى عز وجل:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٨٣