تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الليل فتهجد به نافلة لك

[الإسراء: 79]. ونافلة تعني أمرا زائدا غير مفروض، ولذلك نقول: إن النفل هو العبادة الزائدة، وشرطها أن تكون من جنس ما فرض عليك لأن الإنسان لا يعبد ربه حسب هواه الشخصي، بل يعبد العبد ربه بأي لون من ألوان العبادة التي شرعها الله، وإذا أراد زيادة فيها فلتكن من جنس ما فرض الله، حتى لا يبتدع العبد عبادات ليست مشروعة. ولذلك قال الحق تبارك وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم:

ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا

[الإسراء: 79]. النفل إذن هو أمر تعبدي زائد عن الأصل. وحينما ابتلى الله سيدنا إبراهيم عليه السلام بأن يذبح ولده إسماعيل، جاءه الابتلاء لا بوحي صريح، ولكن برؤيا منامية وهو ابتلاء شاق، فلم يكن الابتلاء - مثلا - أن يذبح إنسان آخر سيدنا إسماعيل، ثم يصبر سيدنا إبراهيم على فقده، لا بل هو الذي يقوم بذبح ولده إسماعيل. وهكذا كان الابتلاء كبيرا، خصوصا أنه لم يأت إلا في آخر العمر. وكانت هذه المسألة من الملابسات القاسية على النفس. ولذلك أوضح ربنا عز وجل أن سيدنا إبراهيم كان أمة، أي اجتمعت فيه صفات الإيمان اللازمة لأمة كاملة.

وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن

[البقرة: 124]. ولنر رحموت النبوة في سلوك سيدنا إبراهيم عليه السلام حين جاء لينفذ أمر الرؤيا بذبح الابن لأن رؤيا الأنبياء وحي لذلك لم يشأ أن يأخذ ولده أخذا دون أن يطلعه على الحقيقة لأنه لو فعل ذلك سيعرض ولده لحظة لهاجس عقوق لأبيه، وقد يقول الابن: أي رجل هذا الذي يذبح ابنه؟. وأراد سيدنا إبراهيم أن يشاركه ابنه كذلك في الثواب، وأن يكون الابن خاضعا لأمر الحق تبارك وتعالى كأبيه فقال له:

يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى

[الصافات: 102]. وهكذا أوضح سيدنا إبراهيم عليه السلام الابتلاء الذي جاءه كرؤيا في المنام فماذا يقول الابن إجابة على سؤال أبيه؟

قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين

[الصافات: 102]. أي أن إسماعيل عليه السلام أسلم زمامه لأمر الحق تبارك وتعالى، ويواصل المولى سبحانه وتعالى وصف ابتلاء سيدنا إبراهيم بذبح الابن فيقول تبارك وتعالى:

فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزي المحسنين

[الصافات: 103 - 105]. فبعد أن رضي كل من سيدنا إبراهيم وابنه سيدنا إسماعيل وسلما أمرهما لله تعالى وامتثلا للأمر بالقضاء، رفع الله برحمته هذا القضاء لذلك يصف الحق تبارك وتعالى هذا البلاء وتكرمه بالفداء فيقول:

إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم

[الصافات: 106-107]. وتعلمنا هذه الواقعة أيها المسلم أنك إذا ما جاء لك قضاء من الله، إياك أن تجزع، إياك أن تسخط، إياك أن تغضب، إياك أن تتمرد لأنك بذلك تطيل أمد القضاء عليك، ولكن سلم لقضاء الله فيرفع هذا القضاء لأن القضاء لا يرفع حتى يرضى به. وهكذا لم يكن جزاء الصبر على القضاء لسيدنا إبراهيم عليه السلام افتداء إسماعيل بذبح عظيم فقط، بل وزيادة على ذلك يسوق له المولى البشرى بمزيد من العطاء فيقول:

وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين

[الصافات: 112]. أي أنه لم يرزقه بولد ثان فقط، بل بولد يكون نبيا وصالحا. وتأتي زيادة أخرى في العطاء الرباني لسيدنا إبراهيم عليه السلام فيقول سبحانه وتعالى:

ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين

[الأنبياء: 72]. هكذا يتجلى عطاء المولى سبحانه وتعالى لسيدنا إبراهيم عليه السلام فلا يعطيه الولد الذي يحفظ ذكره فقط، بل يعطيه الولد الذي يحفظ أمانة الدعوة أيضا، وكل ذلك نافلة من الله، أي عطاء كريم زائد وفضل كبير لأبي الأنبياء. إذن النفل هو الأمر الزائد عن الأصل. ومثال ذلك ما خص الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٨٢