تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكبير المتعال

[الرعد: 9] وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح أمرارها كما جاءت من غير تكيف ولا تشبيه.

2.256

يقول تعالى: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار وإن كان حكمها عاما. وقال ابن جرير عن ابن عباس، قال: كانت المرأة تكون مقلاة فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله عز وجل: ﴿ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ﴾. وعن ابن عباس قوله: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصيني، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما، فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل الله فيه ذلك. وقال ابن أبي حاتم عن أبي هلال عن أسبق، قال كنت في دينهم مملوكا نصرانيا لعمر بن الخطاب. فكان يعرض علي الإسلام فآبى، فيقول: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ ، ويقول: يا أسبق لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين.

وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية. وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال، وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف (دين الإسلام) فإن أبى أحد منهم الدخول فيه ولم ينقد له، أو يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل، وهذا معنى الإكراه. قال الله تعالى:

ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون

[الفتح: 16]، وقال تعالى:

يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم

[التوبة: 73، التحريم: 9]، وقال تعالى:

يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين

[التوبة: 123]. وفي الصحيح:

" عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل "

، يعني الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثاق والأغلال والقيود والأكبال، ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة، فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل:

" " أسلم " ، قال: إني أجدني كارها، قال: " وإن كنت كارها "

، فإنه ثلاثي صحيح، لكن ليس من هذا القبيل، فإنه لم يكرهه النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام بل دعاه إليه، فأخبره أن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة، فقال له أسلم وإن كنت كارها، فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص.

وقوله تعالى: ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ﴾ أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله فعبده وحده، وشهد أن لا إله إلا هو ﴿ فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ ، أي فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم. قال عمر رضي الله عنه: إن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وإن كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه وإن كان فارسيا أو نبطيا، ومعنى قوله في الطاغوت إنه الشيطان، قوي جدا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية: من عبادة الأوثان، والتحاكم إليها، والاستنصار بها.

وقوله تعالى: ﴿ فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ﴾ ، أي فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم هي في نفسها محكمة مبرمة قوية، وربطها قوي شديد، ولهذا قال: ﴿ فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ﴾ الآية، قال مجاهد: العروة الوثقى يعني الإيمان، وقال السدي: هو الإسلام، وقال سعيد بن جبير والضحاك. يعني

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٩٦