قوله تعالى: ﴿ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ﴾ يقول تعالى فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها فله عذاب من الله، أليم: موجع شديد، لحديث:
" من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها ".
وقوله تعالى: ﴿ ولكم في القصاص حيوة ﴾ ، يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم وهو قتل القاتل، حكمة عظيمة وهي بقاء المهج وصونها، لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل، انكف على صنيعه فكان في ذلك حياة للنفوس، واشتهر قولهم: " القتل أنفى للقتل " فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح وأبلغ وأوجز ﴿ ولكم في القصاص حيوة ﴾ قال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتل فتمنعه مخافة أن يقتل، ﴿ يأولي الألباب لعلكم تتقون ﴾ يقول يا أولي العقول والأفهام والنهى، لعلكم تنزجرون وتتركون محارم الله ومآثمه. والتقوى: اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات.
2.180-182
اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجبا قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله، يأخذها أهلوها حتما من غير وصية ولا تحمل منة الموصي، ولهذا جاء في الحديث:
" إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث "
وعن ابن عباس في قوله: ﴿ الوصية للوالدين والأقربين ﴾ نسختها هذه الآية:
للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنسآء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا
[النساء: 7]. والعجب من الرازي كيف حكى عن أبي مسلم الأصفهاني أن هذه الآية غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين من قوله:
يوصيكم الله في أولادكم
[النساء: 11]، قال: وهو قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، قال: ومنهم من قال إنها منسوخة فيمن يرث، ثابتة فيمن لا يرث، ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخا في اصطلاحنا المتأخر، لأن آية المواريث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية، لأن الأقربين أعم ممن يرث ومن لا يرث، فرفع حكم من يرث بما عين له وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: إن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندبا حتى نسخت، فأما من يقول: إنها كانت واجبة، وهو الظاهر من سياق الآية، فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث، كما قاله أكثر المفسرين. فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم:
" إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث "
بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم، يستحب له أن يوصي لهم من الثلث، استئناسا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده "
قال ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي. ﴿ إن ترك خيرا ﴾ أي مالا، قاله ابن عباس ومجاهد. ثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قل المال أو كثر، ومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالا كثيرا. قيل لعلي رضي الله عنه: إن رجلا من قريش قد مات وترك ثلثمائة دينار أو أربعمائة ولم يوص، قال: ليس بشيء، إنما قال الله ﴿ إن ترك خيرا ﴾ إذا تركت شيئا يسيرا فاتركه لولدك. وقال ابن عباس: من لم يترك ستين دينارا لم يترك خيرا.
وقال قتادة: كان يقال ألفا فما فوقها، وقوله: ﴿ بالمعروف ﴾ أي بالرفق والإحسان، والمراد بالمعروف أن يوصي لأقاربه وصية لا تجحف بورثته كما ثبت في الصحيحين