تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.26-27

قال السدي: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين يعني قوله تعالى:

مثلهم كمثل الذي استوقد نارا

[البقرة: 17]، وقوله:

أو كصيب من السمآء

[البقرة: 19] الآيات الثلاث قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿ هم الخاسرون ﴾ ، وقال قتادة: لما ذكر الله تعالى العنكبوت والذباب قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ﴾ أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكر شيئا مما قل أو كثر، وإن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ﴾.

ومعنى الآية أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي أي لا يستنكف، وقيل: لا يخشى أن يضرب مثلا ما، أي مثل كان بأي شيء كان صغيرا كان أو كبيرا و (ما) ههنا للتقليل، وتكون بعوضة منصوبة على البدل، كما تقول: لأضربن ضربا ما، فيصدق بأدنى شيء أو تكون (ما) نكرة موصوفة ببعوضة، ويجوز أن تكون بعوضة منصوبة بحذف الجار، وتقدير الكلام: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها " وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء.

وقوله تعالى: ﴿ فما فوقها ﴾ فيه قولان: أحدهما: فما دونها في الصغر والحقارة، كما إذا وصف رجل باللؤم والشح فيقول السامع نعم وهو فوق ذلك - يعني فيما وصفت - وهذا قول أكثر المحققين، وفي الحديث:

" لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرا منها شربة ماء "

، والثاني فما فوقها لما هو أكبر منها لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة وهذا قول قتادة بن دعامة واختيار ابن جرير فإنه يؤيده ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة "

فأخبر أنه لا يستصغر شيئا يضرب به مثلا ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة، فكما لا يستنكف عن خلقها كذلك لا يستنكف من ضرب المثل بها، كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله:

إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب

[الحج: 73]، وقال:

مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون

[العنكبوت: 41]، وقال تعالى:

ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء

[النحل: 75] الآية، ثم قال:

وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل

[النحل: 76] الآية. وقال:

وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا العلمون

[العنكبوت: 43] وفي القرآن أمثال كثيرة.

قال بعض السلف: إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي لأن الله قال:

وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا العلمون

[العنكبوت: 43]، قال قتادة: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ﴾ أي يعلمون أنه كلام الرحمن وأنه من عند الله. وقال أبو العالية: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ﴾ يعني هذا المثل، ﴿ وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا ﴾ كما قال تعالى:

ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذآ أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشآء ويهدي من يشآء وما يعلم جنود ربك إلا هو

[المدثر: 31]، وكذلك قال ههنا: ﴿ يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين ﴾.

قال ابن عباس: يضل به كثيرا يعني به (المنافقين)، ويهدي به كثيرا يعني به (المؤمنين) فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالتهم، لتكذيبهم بما قد علموه حقا يقينا من المثل الذي ضربه الله، ويهدي به يعني المثل كثيرا من أهل الإيمان والتصديق فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانا إلى إيمانهم، ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ ، قال أبو العالية: هم أهل النفاق، وقال مجاهد عن ابن عباس ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ قال: يعرفه الكافرون فيكفرون به. وقال قتادة: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ فسقوا فأضلهم الله على فسقهم.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٢٦