فأما قوله: ﴿ يظنون أنهم ملقوا ربهم ﴾ فالمراد يعتقدون، والعرب قد تسمي اليقين ظنا والشك ظنا، نظير تسميتهم الظلمة سدفة، والضياء سدفة. ومنه قول الله تعالى:
ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها
[الكهف: 53]، قال مجاهد: كل ظن في القرآن يقين. وعن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿ الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم ﴾ قال: الظن ههنا يقين، وعن ابن جريج: علموا أنهم ملاقوا ربهم كقوله:
إني ظننت أني ملاق حسابيه
[الحاقه: 20] يقول علمت. (قلت) وفي الصحيح: إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة:
" ألم أزوجك ألم أكرمك ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ " ، فيقول: بلى، فيقول الله تعالى: " أظننت أنك ملاقي؟ " ، فيقول: لا، فيقول الله: " اليوم أنساك كما نسيتني " "
وسيأتي مبسوطا عند قوله تعالى:
نسوا الله فنسيهم
[التوبة: 67]، إن شاء الله تعالى.
2.47
يذكرهم تعالى بسالف نعمه على آبائهم وأسلافهم، وما كان فضلهم به من إرسال الرسل منهم وأنزل الكتب عليهم وعلى سائر الأمم من أهل زمانهم كما قال تعالى:
ولقد اخترناهم على علم على العالمين
[الدخان: 32]، وقال تعالى:
وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين
[المائدة: 20]، قال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿ وأني فضلتكم على العالمين ﴾ على عالم من كان في ذلك الزمان فإن لكل زمان عالما، ويجب الحمل على هذا، لأن هذه الأمة أفضل منهم لقوله تعالى:
كنتم خير أمة أخرجت للناس
[آل عمران: 110]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله "
، والأحاديث في هذا كثيرة، وقيل: المراد تفضيل بنوع ما من الفضل على سائر الناس، ولا يلزم تفضيلهم مطلقا، حكاه الرازي وفيه نظر. وقيل: فضلوا على سائر الأمم لاشتمال أمتهم على الأنبياء منهم وفيه نظر، لأن العالمين عام يشمل من قبلهم، ومن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة صلوات الله وسلامه عليه.