تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.229-230

هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله إلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: ﴿ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ قال أبو داود عن ابن عباس:

والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن

[البقرة: 228] الآية وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك فقال: ﴿ الطلاق مرتان ﴾ الآية.

وعن (هشام بن عروة) عن أبيه أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدا ولا آويك أبدا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأنزل الله عز وجل: ﴿ الطلاق مرتان ﴾.

وعن عائشة قالت: لم يكن للطلاق وقت، يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس قال: والله لأتركنك لا أيما ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارا فأنزل الله عز وجل: ﴿ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ فوقت الطلاق ثلاثا لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره، وقوله: ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ أي إذا طلقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخير فيها ما دامت عدتها باقية، بين أن تردها إليك ناويا الإصلاح بها والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها فتبين منك، وتطلق سراحها محسنا إليها لا تظلمها من حقها شيئا ولا تضار بها. وعن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في ذلك، أي في الثالثة فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئا، وعن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: ذكر الله الطلاق مرتين فأين الثالثة؟ قال: ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾.

وقوله تعالى: ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا ﴾ أي لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه كما قال تعالى:

ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة

[النساء: 19] فأما إن وهبته المرأة شيئا عن طيب نفس منها فقد قال تعالى:

فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا

[النساء: 4] وأما إذا تشاقق الزوجان ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها ولا حرج عليها في بذلها له ولا حرج عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ الآية، فأما إذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة "

، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" المختلعات هن المنافقات "

(حديث آخر)، وقال الإمام أحمد: عن النبي صلى الله عليه وسلم:

" المختلعات والمنتزعات هن المنافقات "

وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه فتجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما "

ثم قد قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله ﴾ ، قالوا: فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة، فلا يجوز في غيرها إلا بدليل، والأصل عدمه، وممن ذهب إلى هذا ابن عباس وعطاء والحسن والجمهور حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئا وهو مضار لها وجب رده إليها وكان الطلاق رجعيا، قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه، وذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة، وقد ذكر ابن جرير رحمه الله أن هذه الآية نزلت في شأن (ثابت ابن قيس بن شماس) وامرأته (حبيبة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول).

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٧٢