تطاول هذا الليل واسود جانبه
وأرقني أن لا خليل ألاعبه
فوالله لولا الله أني أراقبه
لحرك من هذا السرير جوانبه
فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنها: كما أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر، أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك.
2.228
هذا أمر من الله سبحانه تعالى للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء، بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء ثم تتزوج إن شاءت، وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم الأمة إذا طلقت فإنها تعتد عندهم بقرأين لأنها على النصف من الحرة، والقرء لا يتبعض فكمل لها قرآن لحديث:
" طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان ".
وقال بعض السلف: بل عدتها كعدة الحرة لعموم الآية ولأن هذا أمر جلي فكان الحرائر والإماء في هذا سواء، حكي هذا القول عن بعض أهل الظاهر. وروي عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية قالت: طلقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن للمطلقة عدة فأنزل الله عز وجل حين طلقت (أسماء) العدة للطلاق فكانت أول من نزلت فيها العدة للطلاق يعني: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾. وقد اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو على قولين، (أحدهما): أن المراد بها (الأطهار) وقال مالك في الموطأ عن عروة عن عائشة أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة، وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا: إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿ ثلاثة قروء ﴾ ، فقالت عائشة: صدقتم وتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار. وعن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها، وهو مذهب مالك والشافعي ورواية عن أحمد، واستدلوا عليه بقوله تعالى:
فطلقوهن لعدتهن
[الطلاق: 1] أي في الأطهار، ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسبا، دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها، ولهذا قال هؤلاء: إن المعتدة تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة، واستشهد أبو عبيدة وغيره على ذلك بقول الأعشى:
مورثة مالا وفي الأصل رفعة
لما ضاع فيها من قروء نسائكا
يمدح أميرا من أمراء العرب آثر الغزو على المقام حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه لم يواقعهن فيها. (والقول الثاني): أن المراد بالأقراء (الحيض) فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، زاد آخرون وتغتسل منها، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأصح الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل، وحكى عنه الأثرم أنه قال: الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: الأقراء: الحيض، وهو مذهب الثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى، ويؤيد هذا ما جاء في الحديث عن فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها:
" دعي الصلاة أيام أقرائك "
، فهذا لو صح لكان صريحا في أن القرء هو الحيض.
وقال ابن جرير: أصل القرء في كلام العرب الوقت، لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم، وهذه العبارة تقتضي أن يكون مشتركا بين هذا وهذا، وقد ذهب إليه بعض الأصوليين والله أعلم، وهذا قول الأصمعي: أن القرء هو الوقت، وقال أبو عمرو بن العلاء: العرب تسمي الحيض قرءا، وتسمي الطهر قرءا، وتسمي الطهر والحيض جميعا قرءا. وقال ابن عبد البر: لا يختلف أهل العلم بلسان العرب والفقهاء أن القرء يراد به الحيض، ويراد به الطهر، وإنما اختلفوا في المراد من الآية ما هو على قولين.
وقوله تعالى: ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ أي من حبل أو حيض، قاله ابن عباس وابن عمر ومجاهد، وقوله: ﴿ إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ تهديد لهن على خلاف الحق، ودل هذا على أن المرجع في هذا إليهن، لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن، ويتعذر إقامة البينة غالبا على ذلك فرد الأمر إليهن، وتوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحق، إما استعجالا منها لانقضاء العدة، أو رغبة منها في تطويلها لما لها في ذلك من المقاصد، فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان.