تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجاء رجل إلى ابن عباس فقال يا ابن عباس: إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال: أبلغت ذلك؟ قال: أرجو، قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل، قال: وما هن؟ قال: قوله تعالى: ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾ أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثاني، قال: قوله تعالى:

لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون

[الصف: 2-3] أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثالث، قال: قول العبد الصالح شعيب عليه السلام:

ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح

[هود: 88] أحمكت هذه الآية؟ قال: لا، قال: فابدأ بنفسك. وقال إبراهيم النخعي: إني لأكره القصص لثلاث آيات قوله تعالى: ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾ ، وقوله:

يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون

[الصف: 2]، وقوله إخبارا عن شعيب:

ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه

[هود: 88].

2.45-46

يأمر تعالى عبيده فيما يؤملون من خبر الدنيا والآخرة بالاستعانة بالصبر والصلاة كما قال مقاتل في تفسير هذه الآية: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلاة. فأما الصبر فقيل: إنه الصيام.

قال القرطبي: ولهذه يسمى رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث:

" الصوم نصف الصبر "

، وقيل: المراد بالصبر الكف عن المعاصي ولهذا قرنه بأداء العبادات، وأعلاها فعل الصلاة. قال عمر بن الخطاب: الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن، وأحسن منه الصبر عن محارم الله. وقال أبو العالية: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ على مرضاة الله، واعلموا أنها من طاعة الله. وأما قوله: ﴿ والصلاة ﴾ فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر كما قال تعالى:

وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر

[العنكبوت: 45] الآية.

وكان رسول الله إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وعن علي رضي الله عنه قال: لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويدعو حتى أصبح. وروي أن ابن عباس نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع ثم تنحى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ﴾ ، والضمير في قوله: ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ عائد إلى الصلاة، ويحتمل أن يكون عائدا على ما يدل عليه الكلام وهو الوصية بذلك كقوله تعالى في قصة قارون:

ولا يلقاهآ إلا الصابرون

[القصص: 80]، وقال تعالى:

وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم

[فصلت: 35] أي وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا، وما يلقاها أي يؤتاها ويلهمها إلا ذو حظ عظيم. وعلى كل تقدير فقوله تعالى: ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ أي مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين، قال ابن عباس: يعني المصدقين بما أنزل الله، وقال مجاهد: المؤمنين حقا، وقال أبو العالية: الخائفين، وقال مقاتل: المتواضعين، وقال الضحاك ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطوته، المصدقين بوعده ووعيده. وقال ابن جرير معنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة الله وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من رضا الله، العظيمة إقامتها ﴿ إلا على الخاشعين ﴾ أي المتواضعين المستكينين لطاعته المتذللين من مخافته. هكذا قال، والظاهر أن الآية وإن كانت خطابا في سياق إنذار بني إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم، والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿ الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ﴾ هذا من تمام الكلام الذي قبله أي أن الصلاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم، أي يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة، معروضون عليه وأنهم إليه راجعون أي أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء، سهل عليهم فعل الطاعات وترك المنكرات.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٤٠