تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" ربح البيع صهيب "

وروي عن أبي عثمان النهدي عن صهيب قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش: يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك؟ والله لا يكون ذلك أبدا، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

" ربح صهيب، ربح صهيب "

مرتين. وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال الله تعالى:

إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون

[التوبة: 111]، ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما وتلوا هذه الآية: ﴿ ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله والله رؤوف بالعباد ﴾.

2.208-209

يأمر الله تعالى عباده المؤمنين به، المصدقين برسوله، أن يأخذوا بجمع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك. قال العوفي عن ابن عباس: ﴿ ادخلوا في السلم ﴾ يعني الإسلام، وقال الضحاك وأبو العالية: يعني الطاعة، وقوله: ﴿ كآفة ﴾ قال ابن عباس وأبو العالية وعكرمة: جميعا، وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر.

ومن المفسرين من يجعل قوله تعالى: ﴿ كآفة ﴾ حالا من الداخلين، أي ادخلوا الإسلام كلكم، والصحيح الأول وهو أنهم أمروا كلهم أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام، وهي كثيرة جدا ما استطاعوا منها، كما قال عكرمة عن ابن عباس: ﴿ يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة ﴾ يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: ﴿ ادخلوا في السلم كآفة ﴾ يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد صلى الله عليه وسلم ولا تدعوا منها شيئا وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها.

وقوله تعالى: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ أي اعملوا بالطاعات، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان ف

إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون

[البقرة: 169]، و

إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير

[فاطر: 6]، ولهذا قال: ﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾ وقوله: ﴿ فإن زللتم من بعد ما جآءتكم البينات ﴾ أي عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله ﴿ عزيز ﴾ أي في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب، ﴿ حكيم ﴾ في أحكامه ونقضه وإبرامه، ولهذا قال أبو العالية وقتادة: عزيز في نقمته، حكيم في أمره. وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في عذره وحجته إلى عباده.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٥٤