2.13
يقول تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا كمآ آمن الناس ﴾ ، أي كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وغير ذلك مما أخبر المؤمنين به، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر، وترك الزواجر ﴿ قالوا أنؤمن كمآ آمن السفهآء ﴾؟ يعنون - لعنهم الله - أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة، وعلى طريقة واحدة، وهم سفهاء؟.
والسفيه: هو الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بالمصالح والمضار، ولهذا سمي الله النساء والصبيان سفهاء في قوله تعالى:
ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي جعل الله لكم قياما
[النساء: 5] وقد تولى سبحانه جوابهم في هذه المواطن كلها فقال: ﴿ ألا إنهم هم السفهآء ﴾ فأكد وحصر السفاهة فيهم ﴿ ولكن لا يعلمون ﴾ يعني ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أبلغ في العمى والبعد عن الهدى.
2.14-15
أي، وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا آمنا، وأظهروا لهم الإيمان والموالاة، غرورا منهم للمؤمنين ونفاقا ومصانعه وتقية، وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم. ﴿ وإذا خلوا إلى شياطينهم ﴾ يعني إذا انصرفوا وخلصوا إلى شياطينهم، فضمن " خلوا " معنى انصرفوا لتعديته بإلى ليدل على الفعل المضمر، وشياطينهم سادتهم وكبراؤهم، ورؤساؤهم من أحبار اليهود، ورؤوس المشركين والمنافقين، قال السدي عن ابن مسعود ﴿ وإذا خلوا إلى شياطينهم ﴾ يعني رؤساءهم في الكفر، وقال ابن عباس: هم أصحابهم من اليهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال مجاهد: أصحابهم من المنافقين والمشركين، وقال قتادة: رؤوسهم وقادتهم في الشرك والشر، قال ابن جرير: وشياطين كل شيء مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن كما قال تعالى:
شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا
[الأنعام: 112]، وقوله تعالى: ﴿ قالوا إنا معكم ﴾ أي إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿ إنما نحن مستهزئون ﴾ أي إنما نستهزىء بالقوم ونلعب بهم، وقال ابن عباس: ﴿ مستهزئون ﴾ ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى جوابا لهم ومقابلة على صنيعهم: ﴿ الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ﴾ ، قال ابن عباس: يسخر بهم للنقمة منهم ﴿ ويمدهم ﴾ يملي لهم، وقال مجاهد: يزيدهم كقوله تعالى:
أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون
[المؤمنون: 55-56]، قال ابن جرير: أخبر تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة في قوله تعالى:
يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم
[الحديد: 13] الآية، وفي قوله:
ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما
[آل عمران: 178] الآية، قال: فهذا وما أشبهه من استهزاء الله تعالى ومكره وخديعته بالمنافقين وأهل الشرك، وقال آخرون: استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ارتكبوا من معاصيه، وقال آخرون: قوله: ﴿ الله يستهزىء بهم ﴾ ، وقوله:
يخادعون الله وهو خادعهم
[النساء: 142]، وقوله:
نسوا الله فنسيهم
[التوبة: 67] وما أشبه ذلك إخبار من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج الخبر عن الجزاء مخرج الخبر عن الفعل الذي استحقوا العقاب عليه، فاللفظ متفق والمعنى مختلف كما قال تعالى:
وجزآء سيئة سيئة مثلها
[الشورى: 40]، وقوله:
فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه
[البقرة: 194] فالأول ظلم والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظهما فقد اختلف معناهما، وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك. والعمه: الضلال، يقال: عمه عمها إذا ضل، وقوله: ﴿ في طغيانهم يعمهون ﴾ أي في ضلالتهم وكفرهم يترددون حيارى، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا لأن الله قد طبع على قلوبهم، وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى فلا يبصرون رشدا ولا يهتدون سبيلا، وقال بعضهم: العمه في القلب، والعمى في العين، وقد يستعمل العمى في القلب أيضا كما قال تعالى: