وعن ابن عباس أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله، فناداه ربه عز وجل: يا موسى سألوك هل ينام ربك؟ خذ زجاجتين في يديك فقم الليلة، ففعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا، فقال: يا موسى لو كنت أنام لسقطت السماوات والأرض فهلكت، كما هلكت الزجاجتان في يديك، فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم آية الكرسي.
وقوله تعالى: ﴿ له ما في السموت وما في الأرض ﴾ إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله:
إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا
[مريم: 93]. وقوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ ، كقوله:
وكم من ملك في السموت لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ويرضى
[النجم: 26]، وكقوله:
ولا يشفعون إلا لمن ارتضى
[الأنبياء: 28]، وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة كما في حديث الشفاعة:
" آتي تحت العرش فأخر ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: إرفع رأسك وقل تسمع، واشفع تشفع - قال - فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ".
وقوله تعالى: ﴿ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ﴾ دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله إخبارا عن الملائكة:
وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا
[مريم: 64].
وقوله تعالى: ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء ﴾ أي لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل وأطلعه عليه، ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلعهم الله عليه كقوله:
ولا يحيطون به علما
[طه: 110].
وقوله تعالى: ﴿ وسع كرسيه السموت والأرض ﴾ ، عن ابن عباس قال: علمه، وقال آخرون: الكرسي موضع القدمين. عن ابن عباس قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: ﴿ وسع كرسيه السموت والأرض ﴾ قال:
" كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل "
وقال السدي: الكرسي تحت العرش. وقال الضحاك عن ابن عباس: لو أن السماوات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس "
قال، قال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض ".
وعن أبي ذر الغفاري أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" والذي نفسي بيده ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة "
، وعن عمر رضي الله عنه قال: أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة. قال: فعظم الرب تبارك وتعالى، وقال: " إن كرسيه وسع السماوات والأرض وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد من ثقله " ، وعن الحسن البصري، أنه كان يقول: الكرسي هو العرش، والصحيح أن الكرسي غير العرش والعرش أكبر منه كما دلت على ذلك الآثار والأخبار.
وقوله تعالى: ﴿ ولا يؤوده حفظهما ﴾ أي لا يثقله ولا يعجزه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد، الفعال لما يريد الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم، لا إله غيره ولا رب سواه. فقوله: ﴿ وهو العلي العظيم ﴾ ، كقوله وهو: