تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان بين المسلمين وبني قريظة من اليهود معاهدة، فحملهم حيي بن أخطب، سيد بني النضير، على نقض تلك المعاهدة. فنقضوها، وتأهبوا لقتال المسلمين مع المشركين من قريش والعرب. وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر.

وجاء ابو سفيان يقود ذلك الجيش الجرار وأحاطوا بالمدينة. وفوجئوا بالخندق، فوقفوا من ورائه، وقفز احد أبطالهم وهو عمرو بن عبد ود العامري بحصانه فاجتاز الخندق وطلب المبارزة. فبرز له علي بن ابي طالب كرم الله وجهه، وقتله. ثم حصل بعض التراشق بالسهام، ودام الحصار نحو شهر، اشتد فيه البلاء. واستأذن بعض المنافقين في الذهاب الى المدينة وقالوا: ﴿ إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ﴾. وكان الوقت شتاء واشتد البرد وهبت ريح عاتية فقلبت القدور وقوضت الخيام. فقام ابو سفيان وقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما اصبحتم بدار مقام، وقد أخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل.

فانطلقوا، واصبح الصباح فاذا القوم قد ارتحلوا. وانصرف المسلمون ووضعوا السلام وصدق الله العظيم: ﴿ يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جآءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا ﴾. ﴿ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ﴾.

ووضعت الحرب أوزارها، فلم ترجع قريش بعدها الى حرب المسلمين. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم "

والقصة بطولها في سيرة ابن هشام وفي صحيح مسلم، وابن كثير.

واستشهد من المسلمين يوم الخندق سبعة، وقتل من المشركين اربعة.

﴿ إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا.... ﴾.

إنها صورة هائلة مرعبة، فقد جاء ابو سفيان بذلك الجيش الكبير وحاصروا المسلمين من كل مكان، وبنو قريظة من ورائهم، فبلغ الخوف أقصاه، وبلغت القلوب الحناجر خفقانا واضطرابا، وظن بعضهم بالله ظنونا سيئة.

وكان ذلك اختبارا كبيرا وامتحانا شديدا للمؤمنين. وأخذ المنافقين والذين في قلوبهم مرض من ضعاف المسلمين يقولون: ما وعدنا الله ورسوله من النصر وعلو الكلمة الا وعدا باطلا!

وقالت طائفة من المنافقين كعبد الله بن أبي واصحابه: يا أهل المدينة، ليس هذا المقام بمقام لكم فارجعوا الى منازلكم، ﴿ ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ﴾ وهم من بني حارثة.

وما كان استئذانهم إلا جبنا وفرارا من القتال. ثم بين الله وهن الدين وضعفه في قلوبهم فقال:

﴿ ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بهآ إلا يسيرا ﴾.

ولو دخل عليهم الاحزاب من جوانب بيوتهم، ثم طلبوا إليه الارتداد عن دينهم وأن يقاتلوا المؤمنين - لفعلوا ذلك مسرعين من شدة الخوف.

ولقد كانوا عاهدوا الله لا ينهزمون امام عدو قط، ﴿ وكان عهد الله مسئولا ﴾.

قراءات:

قرأ ابو عمرو ويعقوب وحمزة: الظنون بدون ألف. والباقون: الظنونا بالف بعد النون وقرأ حفص: لا مقام لكم بضم الميم بمعنى الاقامة. والباقون: لا مقام لكم بفتح الميم بمعنى الموضع. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: لأتوها من غير مد، والباقون: لآتوها بالمد. يقول الطبري: قرأ بعض المكيين وعامة قراء الكوفة والبصرة لآتوها بمد الألف. وحفص كوفي، فتكون قراءة المصحف الصحيحة لآتوها بالمد.

تيسير التفسير · الصفحة ٧٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تيسير التفسيرص ٧٨٦