76.2
﴿ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ﴾ أي: ذات أخلاط، وهي موادها المؤلفة منها. جمع مشج أو مشيج. كسبب وأسباب، ونصير وأنصار. أو مفرد. كبرمة أعشار. البرمة: القدر. وأعشار أي: منكرة كأنها صارت عشر قطع. انتهى ﴿ نبتليه ﴾ أي: نختبره. والجملة في موضع الحال أي خلقناه مبتلين له، أي: مريدين ابتلاءه، لا عبثا وسدى ﴿ فجعلناه سميعا بصيرا ﴾ أي: لننظر هل يصرف سمعه وبصره إلى استماع آيات الله والنظر فيها. ولما كان تمام المنة بهما بهبة العقل، أشار إليه بقوله سبحانه: ﴿ إنا هديناه السبيل... ﴾.
76.3
﴿ إنا هديناه السبيل ﴾ أي: سبيل الخير والشر والنجاة والهلاك. أي: عرفناه وبينا له ذلك، بأدلة العقل والسمع ﴿ إما شاكرا ﴾ أي: بالاهتداء والأخذ فيه ﴿ وإما كفورا ﴾ أي: بالإعراض عنه. ونصبهما ب (يكون) مقدرة. أي: ليكون إما شاكرا وإما كفورا. أي: ليتميز شكره من كفره، وطاعته من معصيته. كقوله:
ليبلوكم أيكم أحسن عملا
[الملك: 2].
قال الرازي قال القفال: ومجاز هذه الكلمة على هذا التأويل قول القائل: قد نصحت لك، إن شئت فاقبل وإن شئت فاترك. أي: فإن شئت فتحذف الفاء. فكذا المعنى ﴿ إنا هديناه السبيل ﴾ فإما شاكرا وإما كفورا. فتحذف الفاء. وقد يحتمل أن يكون ذلك على جهة الوعيد. أي: إنا هديناه السبيل فإن شاء فليكفر، وإن شاء فليشكر. فإنا أعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا. كقوله:
وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
[الكهف: 29] انتهى.
لطيفة
قال في (النهر): لما كان الشكر قل من يتصف به قال: (شاكرا) ولما كان الكفر كثيرا من يتصف به ويكثر وقوعه من الإنسان بخلاف الشكر قال: ﴿ كفورا ﴾ بصيغة المبالغة. انتهى.
وهذا ألطف من القول بمراعاة رؤوس الآي.