تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

41.17

﴿ وأما ثمود فهديناهم ﴾ أي: بينا لهم سبيل الحق وطريق الرشد. ونهيناهم أن يتبعوا الضلالة. وأمرناهم أن يقتفوا الهدى ﴿ فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ﴾ أي: من الآثام، بكفرهم بالله.

41.18

﴿ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ أي: يخشون ربهم ويخافون وعيده. وذلك بالإيمان به وحده وتصديق رسله.

41.19

﴿ ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار فهم يوزعون ﴾ أي: يوم يجمع، لمزيد الفضيحة، بين الأولين والآخرين، أعداء الله المشركون والجاحدون، إلى النار فيجيء أولهم على أخرهم، ليتم إلزام الحجة عليهم بين جميعهم، فلا يبقى لهم مقال لهم لأنهم لا يزالون يجادلون عن أنفسهم.

41.20

﴿ حتى إذا ما جآءوها ﴾ أي: فبالغوا في إنكار المخالفة ﴿ شهد عليهم سمعهم ﴾ أي: بأنهم سمعوا الحجج فأعرضوا عنها، وسمعوا الشبه فاتبعوها، وسمعوا الفواحش فاستحسنوها ﴿ وأبصارهم ﴾ أي: بأنهم رأوا الآيات فلم يعتبروها، ورأوا القبائح فاختاروها ﴿ وجلودهم ﴾ أي: بأنهم باشروا المعاصي، فوصل أثرها إلى القوة اللامسة منهم، فيشهد كل عضو وجزء ﴿ بما كانوا يعملون ﴾.

41.21

﴿ وقالوا لجلودهم ﴾ أي: المدركة ألم العذاب الذي لا يدركه السمع والبصر ﴿ لم شهدتم علينا ﴾ أي: بما يوجب إيلامكم ﴿ قالوا أنطقنا الله ﴾ أي: بهذه الشهادة ﴿ الذي أنطق كل شيء ﴾ أي: أنطق كل شيء من الحيوان. فهو من العام الذي خصه العقل، كقوله تعالى:

والله على كل شيء قدير

[البقرة: 284] أي: كل شيء من المقدورات. هذا، على أن النطق على ظاهره وحقيقته. وقيل: المراد ظهور علامات على الأعضاء دالة على ما كانت متلبسة به في الدنيا، بتغير أشكالها ونحوه. مما يلهم الله من رآه أنه صدر عنه ذلك، لارتفاع الغطاء في الآخرة. فالنطق مجاز عن الدلالة. قال القاشاني: معنى

شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم

[فصلت: 20] أي: غيرت صور أعضائهم، وصورت أشكالها على هيئة الأعمال التي ارتكبوها، وبدلت جلودهم وأبشارهم فتنطق بلسان الحال، وتدل بالأشكال على ما كانوا يعملون، ولنطقها بهذا اللسان قالت: ﴿ أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ﴾ إذ لا يخلو شيء ما من النطق، ولكن الغافلين لا يفهمون. انتهى.

لكن قال الرازي: تفسير هذه الشهادة، بظهور أمارات مخصوصة على هذه الأعضاء، دالة على صدور تلك الأعمال منهم، عدول عن الحقيقة إلى المجاز. والأصل عدمه.

ثم قال: وهذه الآية يحسن التمسك بها في بيان أن البينة ليست شرطا للحياة، ولا لشيء من الصفات المشروطة بالحياة. فالله تعالى قادر على خلق العقل والقدرة والنطق في كل جزء من أجزاء هذه الأعضاء. والله أعلم.

تنبيه

قال الرازي: نقل عن ابن عباس أنه قال: المراد من شهادة الجلود شهادة الفروج، وإنه من باب الكنايات كما قال:

ولكن لا تواعدوهن سرا

[البقرة: 235] وأراد النكاح. وقال:

أو جآء أحد منكم من الغآئط

[النساء: 43] والمراد قضاء الحاجة. فتكون الآية وعيدا شديدا في الزنى. انتهى.

وقد أشار الإمام ابن الأثير في (المثل السائر) إلى ترجيح هذا المعنى. حيث ذكر هذه الآية في الترجيح الذي يقع بين معنيين، يدل عليهما لفظ واحد، يكون حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر، وعبارته: الجلود ههنا تفسر حقيقة ومجازا. أما الحقيقة فيراد بها الجلود مطلقا، وأما المجاز فيراد بها الفروج خاصة، وهذا هو المانع البلاغي الذي يرجح جانب المجاز على الحقيقة، لما فيه من لطف الكناية عن المكنى عنه. وقد يسأل ههنا في الترجيح بين الحقيقة والمجاز، عن غير الجانب البلاغي.

ويقال: ما بيان هذا الترجيح؟ فيقال: طريقة لفظ الجلود عام، فلا يخلو إما أن يراد به الجلود مطلقا، أو يراد به الجوارح التي هي أدوات الأعمال خاصة، ولا يجوز أن يراد به الجلود على الإطلاق؛ لأن شهادة غير الجوارح التي هي الفاعلة، شهادة باطلة؛ إذ هي شهادة غير شاهد.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٥٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٥٣١