تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29.49-50

﴿ بل هو ﴾ أي: القرآن ﴿ آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ أي: العلماء به وحفاظه. وهما من خصائص القرآن كون آياته بينات الإعجاز، وكونه محفوظا في الصدور، يتلوه أكثر الأمة ظاهرا. بخلاف سائر الكتب. فإنها لم تكن معجزات، وما كانت تقرأ إلا من المصاحف. ومنه ما جاء في صفة هذه الأمة: " صدورهم أناجيلهم ". كذا في الكشاف. ﴿ وما يجحد بآياتنآ إلا الظالمون * وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه ﴾ يعنون: ما كانوا يقترحونه في تعنتهم ﴿ قل إنما الآيات عند الله ﴾ أي: هو يملك إنزالها، ولو شاء لفعل ﴿ وإنمآ أنا نذير مبين ﴾ أي: ليس من شأني إلا الإنذار وإبانته، لا الإتيان بما تقترحونه.

ثم أشار إلى أن في آية تنزيل الكتاب، غنية عن كل آية مقترحة. لما أن الدور انقلب من الآيات الآفاقية، إلى الآيات العلمية، وفاقا لسنة الترقي، بقوله سبحانه: ﴿ أولم يكفهم... ﴾.

29.51-56

﴿ أولم يكفهم ﴾ أي: آية مغنية عما اقترحوه ﴿ أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ﴾ أي: وفيه نفسه من الآيات والمعجزات ما لا يرتاب معه إلا من سفه نفسه، وكابر حسه ﴿ إن في ذلك ﴾ أي: الكتاب الذي هو آية مستمرة وحجة بالغة ظاهرة ﴿ لرحمة ﴾ أي: لنعمة عظيمة في هدايته إلى الحق وإلى صراط مستقيم ﴿ وذكرى لقوم يؤمنون ﴾ أي: تذكرة لقوم، همهم الإيمان دون التعنت ﴿ قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا ﴾ أي: إني قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم وأنذرتكم، وإنكم قابلتموني بالجحد والتكذيب. يعني: كفى علمه بذلك. وجوز أن يكون المعنى شهيدا بصدقي بالتأييد والحفظ، أي هو شاهد على ما جئت به، مصدق له تصديق الشاهد لدعوى المدعي.

قال ابن كثير: أي: فلو كنت غير محق، لانتقم مني، كما قال تعالى:

ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين

[الحاقة: 44-47] وإنما أنا صادق عليه فيما أخبرتكم به. ولهذا أيدني بالمعجزات الواضحات والدلائل القاطعات. انتهى ﴿ يعلم ما في السموت والأرض ﴾ أي: فلا يخفى عليه حالي وحالكم ﴿ والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون * ويستعجلونك بالعذاب ﴾ أي: استهزاء ﴿ ولولا أجل مسمى ﴾ أي: لكل عذاب أو قوم، وهو وقته المعين له فيهما ﴿ لجآءهم العذاب ﴾ أي: عاجلا ﴿ وليأتينهم بغتة ﴾ أي: فجأة في الدنيا. كوقعة بدر. فقد كانوا لغرورهم لا يتوقعون غلبة المسلمين. أو في الآخرة عند نزول الموت بهم ﴿ يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ﴾ أي: ستحيط بهم. أي: يستعجلونك بالعذاب وهو واقع بهم لا محالة. أو هي كالمحيطة بهم. لأن كل آت قريب.

﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ﴾ أي: جزاءه ﴿ يعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون ﴾ وهذا خطاب لمن لم تمكنه عبادته تعالى وحده في أرضه، لإيذائه في الله واضطهاده في جانبه، أن يهاجر عنها إلى بلد ما، يقدر أنه فيه أسلم قلبا، وأصح دينا، وآمن نفسا. وأن يتجنب المقام في بلده على تلك الحالة، كيلا يفتنه الكافرون. أو يعرض نفسه للتهلكة، وقد جعل له منها مخرج. وكون أرض الله واسعة، مذكور للدلالة على المقدر. وهو كالتوطئة لما بعده. لأنها مع سعتها، وإمكان التفسح فيها، لا ينبغي بأرض لا يتيسر بها للمرء ما يريده. كما قيل: وكل مكان ينبت العز طيب. وقال آخر:

إذا كان أصلي من تراب فكلها

بلادي، وكل العالمين أقاربي

وقد روى الإمام أحمد عن الزبير: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله. فحيثما أصبت خيرا فأقم "

ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك فوجدوا خير نزل بها، عند ملكها النجاشي رحمه الله. ثم بعد ذلك هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الباقون إلى المدينة المنورة، عملا بالآية الكريمة.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٢٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٢٨٠