29.4-7
﴿ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ﴾ أي: يفوتونا، فلا نقدر على مجازاتهم بمساوئ أعمالهم ﴿ سآء ما يحكمون ﴾ أي: بئس الذي يحكمونه حكمهم ﴿ من كان يرجوا لقآء الله ﴾ أي: في الجنة من رؤيته، والفوز بكرامته ﴿ فإن أجل الله ﴾ وهو الموت ﴿ لآت ﴾ أي: فليبادر ما يصدق رجاءه ويحقق أمله من الثواب والتواصي بالحق والصبر والرغبة فيما عنده تعالى. أو المعنى: من كان يرجو لقاء الله، من كل من صدق في إيمانه، وأخلص في يقينه، فاعلم أن أجل الله لآت. وهو الوقت الذي جعله أجلا وغاية لظهور النصر والفتح وعلو الحق وزهوق الباطل. أي: فلا يستبطئنه. فإنه آت بوعد الله الحق وقول الصدق. ولم أر من ذكره ولعله أنسب بقرينه السياق والسباق. والله أعلم ﴿ وهو السميع العليم ﴾ أي: السميع لأقوالهم العليم بضمائرهم وأحوالهم.
﴿ ومن جاهد ﴾ أي: في الصبر على البلاء والثبات على الحق مع ضروب الإيذاء ﴿ فإنما يجاهد لنفسه ﴾ أي: لأنه يمهد لنفسه، ما يجني به ثمر غرسه ﴿ إن الله لغني عن العالمين * والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون ﴾ أي: أحسن جزاء أعمالهم.
29.8-9
﴿ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ﴾ أي: أمرناه أمرا مؤكدا بإيلاء والديه فعلا ذا حسن عظيم ﴿ وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهمآ ﴾ أي: في الشرك، إذا حملاك عليه. ومعنى ﴿ ما ليس لك به علم ﴾ أي: لا علم لك بإلهيته. قال القاضي: عبر عن نفيها بنفي العلم بها، للإيذان بأن ما لا يعلم صحته، لا يجوز اتباعه، وإن لم يعلم بطلانه. فكيف بما علم بطلانه؟ ﴿ إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ﴾ أي: إلي مرجع من آمن منكم ومن أشرك. فأجازيكم حق جزائكم. فيه التحذير من متابعتهما على الشرك والحث على الثبات والاستقامة في الدين، بذكر المرجع والوعيد. وقد روي أن سعد بن أبي وقاص الزهري رضي الله عنه حين أسلم، قالت أمه: يا سعد! بلغني أنك قد صبأت. فوالله! لا يظلني سقف بيت من الضح والريح. وإن الطعام والشراب علي حرام، حتى تكفر بمحمد وكان أحب ولدها إليها. فأبى سعد. وبقيت ثلاثة أيام كذلك. فجاء سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه. فنزلت هذه الآية، والتي في لقمان، والتي في الأحقاف. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يداريها ويترضاها بالإحسان. وروى الترمذي عن سعد قال: نزلت في أربع آيات. فذكر قصته وقال: قالت أم سعد: أليس الله قد أمرك بالبر؟ والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت، أو تكفر. فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها. فنزلت هذه الآية. قال ابن كثير: وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي أيضا وقال الترمذي: حسن صحيح.
﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ﴾ أي: في زمرة الراسخين في الصلاح والكمال. قال الزمخشري: والصلاح من أبلغ صفات المؤمنين، وهو متمنى أنبياء الله. قال الله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام..
وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين
[النمل: 19] وقال في إبراهيم عليه السلام
وإنه في الآخرة لمن الصالحين
[النحل: 122] والمعنى: في مدخل الصالحين وهي الجنة. وهذا نحو قوله تعالى:
ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم
..[النساء: 69] الآية.