تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

27.83-84

﴿ ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ﴾ أي: يحبس أولهم على آخرهم، حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار. وهذه عبارة عن كثرة العدد وتباعد أطرافه. كما وصفت جنود سليمان بذلك. وكذلك قوله: ﴿ فوجا ﴾ ، فإن الفوج الجماعة الكثيرة. أفاده الزمخشري: ﴿ حتى إذا جآءو ﴾ أي: إلى المحشر ﴿ قال ﴾ أي: ليفضحهم في هذا اليوم المشهود ﴿ أكذبتم بآياتي ﴾ أي: الناطقة بلقاء يومكم هذا وقوله: ﴿ ولم تحيطوا بها علما ﴾ جملة حالية مفيدة لزيادة شناعة التكذيب وغاية قبحه. ومؤكدة للإنكار والتوبيخ. أي: أكذبتم بها بادئ الرأي، غير ناظرين فيها نظرا يؤدي إلى العلم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق حتما؟ وهذا نص في أن المراد بالآيات، فيما سلف في الموضعين، هي الآيات القرآنية، لأنها هي المنطوية على دلائل الصحة، وشواهد الصدق التي لم يحيطوا بها علما، مع وجوب أن يتأملوا ويتدبروا فيها. لا نفس الساعة وما فيها. أفاده أبو السعود.

﴿ أما ذا كنتم تعملون ﴾ أي: بها. أو ماذا كان عملكم؟ هل هو إلا الفساد والإفساد؟ وصد السبيل عن العباد؟ ولذا حقت كلمة العذاب عليهم. كما قال تعالى: ﴿ ووقع القول عليهم... ﴾.

27.85-89

﴿ ووقع القول ﴾ أي: مدلوله وهو العقاب الموعودون به ﴿ عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون * ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا ﴾ أي: ليبصروا، بما فيه من الإضاءة، طرق التقلب في أمور المعاش ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون * ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموت ومن في الأرض إلا من شآء الله وكل أتوه ﴾ أي: حضروا الموقف بين يديه ﴿ داخرين ﴾ أي: صاغرين ﴿ وترى الجبال ﴾ عطف على ﴿ ينفخ ﴾ داخل في حكم التذكير ﴿ تحسبها جامدة ﴾ أي: ثابتة في أماكنها ﴿ وهي تمر مر السحاب ﴾ أي: في تخلل أجزائها وانتفاشها. كما في قوله تعالى:

وتكون الجبال كالعهن المنفوش

[القارعة: 5] ﴿ صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون ﴾ أي: فيجازيهم عليه.

تنبيه

ما ذكرناه في تفسير هذه الآية هو ما ذهب إليه كثير. قالوا: المراد بهذه الآية تسيير الجبال الذي يحصل يوم القيامة، حينما يبيد الله تعالى العوالم، كما قال:

وسيرت الجبال فكانت سرابا

[النبأ: 20] وكما قال:

وإذا الجبال نسفت

[المرسلات: 10] وقال:

وتكون الجبال كالعهن المنفوش

[القارعة: 5].

وقال بعض علماء الفلك: لا يمكن أن يكون المراد بهذه الآية ما قالوه، لعدة وجوه:

الأول: أن قوله تعالى: ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة ﴾ لا يناسب مقام التهويل والتخويف إذا أريد بها بما يحصل يوم القيامة. وكذلك قوله ﴿ صنع الله الذي أتقن كل شيء ﴾ [النمل: 88] لا يناسب الإهلاك والإبادة، على أن محل هذه الآية على المستقبل، مع أنها صريحة في إرادة الحال، شيء لا موجب له. وهو خلاف الظاهر منها.

الثاني: أن سير الجبال للفناء يوم القيامة، يحصل عند خراب العالم وإهلاك جميع الخلائق وهذا شيء لا يراه أحد من البشر كما قال:

ونفخ في الصور فصعق من في السموت ومن في الأرض إلا من شآء الله

[الزمر: 68] أي: من الملائكة. فما معنى قوله إذن: ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة ﴾ [النمل: 88].

الثالث: أن تسيير الجبال الذي يحصل يوم القامة، إذا رآه أحد شعر به. لأنه ما دام وضعها يتغير بالنسبة للإنسان، فيحس بحركتها. وهذا ينافي قوله تعالى: ﴿ تحسبها جامدة ﴾ أي: ثابتة. أما في الدنيا فلا نشعر بحركتها، لأننا نتحرك معها ولا يتغير وضعنا بالنسبة لها. وهذا بخلاف ما يحصل يوم القيامة. فإن الجبال تنفصل عن الأرض وتنسف نسفا. وهذا شيء يراه كل واقف عندها.

الرابع: ورود هذه الآية في سياق الكلام على يوم القيامة، لورود آية ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا ﴾ المذكورة قبلها في نفس هذا السياق، والمراد بهما ذكر شيء من دلائل قدرة الله تعالى، المشاهدة آثارها في هذا العالم الآن من حركة الأرض وحدوث الليل والنهار، ليكون ذلك دليلا على قدرته على البعث والنشور يوم القيامة فإن القادر على ضبط حركات هذه الأجرام العظيمة، لا يصعب عليه أن يعيد الإنسان، وأن يضبط حركاته وأعماله ويحصيها عليه.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٢٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٢٤٧