27.13-16
﴿ فلما جآءتهم آياتنا مبصرة ﴾ أي: ظاهرة بينة ﴿ قالوا هذا سحر مبين * وجحدوا بها ﴾ أي: كذبوا بها بألسنتهم ﴿ واستيقنتهآ أنفسهم ﴾ أي: عرفت أنفسهم أنها آيات يقينا، لا سيما عند إلقاء السحرة ساجدين ﴿ ظلما ﴾ أي: للآيات، بتسميتها سحرا كقوله:
بما كانوا بآياتنا يظلمون
[الأعراف: 9] ولقد (ظلموا بها) ﴿ وعلوا ﴾ أي: تكبرا عن الانقياد لموسى ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ أي: من إهلاكهم بالإغراق، لغرقهم في بحر الفساد والإفساد ﴿ ولقد آتينا داوود وسليمان علما ﴾ أي: بالقضاء بين الناس، وحكمة باهرة ﴿ وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين * وورث سليمان داوود ﴾ أي: العلم والحكمة والنبوة أو الملك ﴿ وقال ﴾ أي: تحدثا بنعمة الله وتنويها بمنته ﴿ يأيها الناس علمنا منطق الطير ﴾ أي: فهم صوته ﴿ وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين ﴾ أي: البين الظاهر. وهو قول وارد على سبيل الشكر والمحمدة. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أنا سيد ولد آدم ولا فخر "
أي: أقول هذا القول شكرا، ولا أقوله فخرا.
27.17-25
﴿ وحشر لسليمان جنوده ﴾ أي: جمع له عساكره ﴿ من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ﴾ أي: يحبس أولهم على أخرهم ليتلاحقوا ﴿ حتى إذآ أتوا على واد النمل قالت نملة ﴾ أي رأتهم متوجهين إلى واديها ﴿ يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ﴾ أي: بمكانهم ﴿ فتبسم ضاحكا من قولها ﴾ أي: تعجبا من حذرها واهتدائها إلى تدبير مصالحها ومصالح بني نوعها. وسرورا بشهرة حاله وحال جنوده في باب التقوى والشفقة، فيما بين أصناف المخلوقات، التي هي أبعدها من إدراك أمثال هذه الأمور، وابتهاجا بما خصه الله تعالى به من إدراك همسها وفهم مرادها. قاله أبو السعود.
﴿ وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ﴾ أي: ألهمني شكرها: ﴿ وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين * وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغآئبين * لأعذبنه عذابا شديدا أو لأاذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ أي: بحجة تبين عذره.
﴿ فمكث غير بعيد ﴾ أي: فلبث في الغيبة أمدا غير طويل ﴿ فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ ﴾ وهي مدينة ﴿ بنبإ يقين * إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ﴾ أي: سرير تجلس عليه، هائل مزخرف بأنواع الجواهر ﴿ وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون * ألا يسجدوا ﴾ أي: هلا يسجدوا. كما قرئ بذلك. وجوز بعضهم أن يكون معمولا لما قبله. أي: فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا، فحذف الجار مع (أن) أو أن تكون (لا) مزيدة، والمعنى: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا ﴿ لله الذي يخرج الخبء في السموت والأرض ﴾ أي: يظهر ما هو مخبوء فيهما من نبات ومعادن وغيرهما ﴿ ويعلم ما تخفون وما تعلنون ﴾ قرئ بالتاء والياء على صيغة الغيبة.
والجملة التحضيضية إما مستأنفة من كلامه تعالى، أو محكية عن قول الهدهد. واستظهر الزمخشري الثاني. قال: لأن في إخراج الخبء أمارة على أنه من كلام الهدهد، لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض. وذلك بإلهام من يخرج الخبء في السماوات والأرض، جلت قدرته ولطف علمه. ولا يكاد يخفى على ذي الفراسة النظار بنور الله، مخايل كل مختص بصناعة أو فن أو من العلم، في روائه ومنطقه وشمائله.