27.36-40
﴿ فلما جآء سليمان ﴾ أي: المرسلون منها ﴿ قال أتمدونن بمال فمآ آتاني الله ﴾ أي: من الملك والحكمة والنبوة ﴿ خير ممآ آتاكم ﴾ أي: فلا أبالي بجميع ما عندكم فضلا عن الهدية ﴿ بل أنتم بهديتكم تفرحون ﴾ أي: إذا أهدي إليكم مثلها، أو أهديتم مثلها، تفرحون استكثارا أو افتخارا ﴿ ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منهآ أذلة وهم صاغرون ﴾ أي: مهانون ﴿ قال يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين * قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين * قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ﴾ أي: ليختبرني أأشكر بالطاعة والعمل بالشريعة، أم أكفر بالمعصية والمخالفة. وقوله تعالى: ﴿ ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ﴾ كقوله:
من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها
[فصلت: 46] وكقوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
[الروم: 44].
27.41-42
﴿ قال نكروا لها عرشها ﴾ أي: اجعلوه متنكرا متغيرا عن هيئته وشكله كما يتنكر الرجل للناس ﴿ ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ﴾ أي: لمعرفته ﴿ فلما جآءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو ﴾ قال المهايمي: لم تقل: (هو هو) خوفا من التكذيب، مع نوع من التغيير. ولا (لا) خوفا من التجهيل.
وقال الزمخشري: لم تقل: (هو هو) ولا (ليس به) وذلك من رجاحة عقلها. حيث لم تقطع في المحتم. أي: فأتت ب (كأن) الدالة على غلبة الظن.
قال الشهاب: وهذا إشارة إلى أن (كأن) ليس المراد بها هنا التشبيه بل الشك، وهو مشهور فيها.
وقد أبدى صاحب (الانتصاف) فرقا بين (كأن) و(هكذا) في التشبيه. وعبارته: وفي قولها (كأنه هو) وعدولها عن مطابقة الجواب للسؤال بأن تقول: (هكذا هو) - نكتة حسنة. ولعل قائلا يقول: كلتا العبارتين تشبيه. إذ كان التشبيه فيهما جميعا، وإن كانت في إحداهما داخلة على اسم الإشارة، وفي الأخرى داخلة على المضمر، وكلاهما (أعني اسم الإشارة والمضمر) واقع على الذات المشبهة. وحينئذ تستوي العبارتان في المعنى. ويفضل قولها (هكذا هو) بمطابقته للسؤال. فلا بد في اختيار ﴿ كأنه هو ﴾ من حكمة. فنقول: حكمته، والله أعلم، أن ﴿ كأنه هو ﴾ عبارة من قرب عنده الشبه حتى شكك نفسه في التغاير بين الأمرين. فكاد يقول: (هو هو) وتلك حال بلقيس. وأما _(هكذا هو) فعبارة جازم بتغاير الأمرين، حاكم بوقوع الشبه بينهما لا غير. فلهذا عدلت إلى العبارة المذكورة في التلاوة، لمطابقتها لحالها، والله أعلم. انتهى.
وقوله تعالى: ﴿ وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين ﴾ هذا من تمام كلام سليمان عليه السلام، شكرا لله على فضلهم عليها، وسبقهم إلى العلم بالله وبالإسلام. أي: وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته، وبصحة ما جاء من عنده، قبل علمها الذي أومأ إليه قوله: ﴿ كأنه هو ﴾ والجملة عطف على مقدر اقتضاه المقام المقتضي، للإفاضة في وصفها برجاحة الرأي في الهداية للإسلام. والتقدير: أصابت في جوابها وقد رزقت الإسلام، وعلمت قدرة الله. وأوتينا العلم... الخ. وقيل: إنه من كلام بلقيس، موصولا بقولها ﴿ كأنه هو ﴾ ، لا من كلام سليمان. كأنها ظنت أنه أراد بذلك اختبار عقلها وإظهار معجزة لها، فقالت: أوتينا العلم الخ. أي لا حاجة إلى الاختبار لأني آمنت قبل. وهذا يدل على كمال عقلها.
أو المعنى: علمنا إتيانك بالعرش قبل الرؤية، أو هذه الحالة بالقرائن أو الأخبار.
قال ابن كثير: ويؤيد الأول، أي أنه من كلام سليمان، أنها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح، كما سيأتي. والله أعلم.