والله ورسوله أحق أن يرضوه
[التوبة: 62]، أو لبيان أنه لا بد في الخمسة من إخلاصها لله تعالى، وأن المراد قسمة الخمس على المعطوفين عليه. وتمسك بعضهم بظاهر ذلك، فأوجب سهما سادسا لله تعالى، يصرف في وجوه الخير، أو يؤخذ للكعبة. قال: لأن كلام الحكيم لا يعرى عن الفائدة، ولأنه ثبت اختصاصه في آية الصدقات في قوله تعالى:
وفي سبيل الله
[التوبة: 60]، فكذا هنا. وهذا مروي عن أبي العالية، والربيع والقاسم وأسباطه. ويؤيد ما للجمهور، ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال:
" أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بوادي القرى، وهو معترض فرسا، فقلت: يا رسول الله! ما تقول في الغنيمة؟ فقال: " لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش ". قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال، " لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم ".
ومن لطائف الحسن أنه أوصى بالخمس من ماله وقال: ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه؟
السابعة: خمس النبي صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله له، كان أمره في حياته مفوضا إليه، يتصرف فيه بما شاء، ويرده في أمته كيف شاء.
روى الإمام أحمد أن أبا الدرداء قال لعبادة بن الصامت: يا عبادة! كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس؟ فقال عبادة:
" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوهم إلى بعير من المقسم، فلما سلم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتناول وبرة بين أنملتيه فقال: " إن هذا من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس، في الله تبارك وتعالى، القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر، وجاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، ينجي الله تبارك وتعالى به من الغم والهم "
قال ابن كثير: هذا حديث حسن عظيم.
وروى أبو داود والنسائي عن عمرو بن عبسة،
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال: " ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود عليكم "
- واستدل به على أنه عليه الصلاة والسلام كان يصرفه لمصالح المسلمين.
وكان له صلى الله عليه وسلم من الغنائم شيء يصطفيه لنفسه، عبد أو أمة أو فرس أو سيف أو نحو ذلك، رواه أبو داود عن محمد بن سيرين والشعبي مرسلا، وأحمد والترمذي عن ابن عباس.
وللعلماء فيما يصنع بخمسه صلى الله عليه وسلم من بعده مذاهب: فمن قائل: يكون لمن يلي الأمر من بعده، قال ابن كثير: روي هذا عن أبي بكر وعلي وقتادة وجماعة. وجاء فيه حديث مرفوع. ومن قائل: يصرف في مصالح المسلمين، قال الأعمش عن إبراهيم: كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح. ومن قائل: بأنه يصرف لقرابته صلى الله عليه وسلم. ومن قائل: بأنه مردود على بقية الأصناف: ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. واختاره ابن جرير. وللمسألة حظ من النظر.
الثامنة: أجمعوا على أن المراد ب ﴿ ولذي القربى ﴾ قرابته صلى الله عليه وسلم. وذهب الجمهور إلى أن سهم ذوي القربى يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب خاصة. لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية، وفي أول الإسلام ودخلوا معهم في الشعب غضبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحماية له، مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حمية للعشيرة، وأنفة وطاعة لأبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل، وإن كانوا ابني عمهم، لم يوافقوهم، بل حاربوهم ونابذوهم، ومالؤا بطون قريش على حرب الرسول، ولهذا كان ذمهم أبو طالب في قصيدته بقوله منها: