8.40
﴿ وإن تولوا ﴾ أي: أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا ﴿ فاعلموا أن الله مولاكم ﴾ أي: ناصركم ومعينكم، فثقوا بولايته ونصرته ﴿ نعم المولى ﴾ فلا يضيع من تولاه ﴿ ونعم النصير ﴾ فلا يغلب من نصره.
ثم بين تعالى مصرف ما أحله لهذه الأمة وخصها به، وهو الغنائم، بقوله سبحانه: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى... ﴾.
8.41
﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء ﴾ أي: قل أو كثر من الكفار ﴿ فأن لله ﴾ أي: الذي منه النصر المتفرع عليه الغنيمة ﴿ خمسه ﴾ شكرا له على نصره وإعطائه الغنيمة ﴿ وللرسول ﴾ أي: الذي هو الأصل في أسباب النصر ﴿ ولذي القربى ﴾ وهم بنو هاشم والمطلب ﴿ واليتامى ﴾ أي: من مات آباؤهم ولم يبلغوا؛ لأنهم ضعفاء ﴿ والمساكين ﴾ لأنهم أيضا ضعفاء كاليتامى ﴿ وابن السبيل ﴾ وهو المسافر الذي قطع عليه الطريق ويريد الرجوع إلى بلده، ولا يجد ما يتبلغ به.
وفي هذه الآية مسائل:
الأولى: قال الفقهاء: (الغنيمة) المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب، أي: ما ظهر عليه المسلمون بالقتال. وهل هي والفيء والنفل شيء واحد أو لا؟ وسنفصله في آخر المسائل.
الثانية: ما في ﴿ أنما ﴾ بمعنى الذي، والعائد محذوف، وكان حقها، على أصولهم، أن تكتب مفصولة. قال الشهاب: وقد أجيز في (ما) هذه أن تكون شرطية.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿ من شيء ﴾ ، بيان للموصول، محله النصب، على أنه حال من عائد الموصول، قصد به الإعتناء بشأن الغنيمة، وأن لا يشذ عنها شيء، أي: ما غنمتموه كائنا ما كان يقع عليه اسم الشيء، حتى الخيط والمخيط.
الرابعة: (الخمس) بضم الميم، وسكونها، لغتان قد قرئ بهما.
الخامسة: أفادت الآية أن الواجب في المغنم تخميسه، وصرف الخمس إلى من ذكره الله تعالى، وقسمة الباقي بين الغانمين بالعدل، للراجل سهم، وللفارس ذي الفرس العربي ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه. هكذا قسم النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر. ومن الفقهاء من يقول: للفارس سهمان. والأول هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة، ولأن الفرس يحتاج إلى مؤنة نفسه وسائسه، ومنفعة الفارس به أكثر من منفعة رجلين. ومنهم من يقول: يسوي بين الفرس العربي والهجين في هذا. الهجين يسمى البرذون والأكديش. ويجب قسمتها بينهم بالعدل، فلا يحابي أحد، لا لرياسته ولا لنسبه ولا لفضله، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يقسمونها.
وفي صحيح البخاري أن سعد بن أبي وقاص رأى أن له فضلا على من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟ ".
وفي مسند أحمد أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، الرجل يكون حامية القوم، يكون سهمه وأسهم غيره سواء؟ قال:
" ثكلتك أمك ابن أم سعد! وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم "
كذا في (السياسة الشرعية) لابن تيمية.
(وفي زاد المعاد) لابن القيم: كان صلى الله عليه وسلم إذا ظفر بعدوه، أمر مناديا فجمع الغنائم كلها، فبدأ بالأسلاب فأعطاها لأهلها، ثم أخرج خمس الباقي فوضعه حيث أراه الله وأمره به من مصالح الإسلام، ثم يرضخ من الباقي لمن لا سهم له من النساء والصبيان والعبيد، ثم قسم الباقي بالسوية بين الجيش: للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم.
وكان ينفل من صلب الغنيمة بحسب ما يراه من المصلحة. وقيل: بل كان النفل من الخمس. وجمع لسلمة بن الأكوع، في بعض مغازيه، بين سهم الراجل والفارس، فأعطاه خمسة أسهم، لعظم غنائه في تلك الغزوة.
قال ابن تيمية: وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين في دولة بني أمية وبني العباس، لما كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر.
السادسة: ذهب الجمهور إليه أن ذكر الله تعالى في قوله: ﴿ فأن لله ﴾ للتعظيم، أي: تعظيم الرسول، كما في قوله تعالى: