37.71-98
قال عز وجل: ﴿ ولقد ضل قبلهم ﴾ يعني: أضل إبليس قبلهم ﴿ أكثر الأولين ﴾ يعني: من الأمم الخالية، ولم يذكر إبليس لأن في الكلام دليلا عليه فاكتفى بالإشارة، ومثل هذا كثير في القرآن ثم قال عز وجل: ﴿ ولقد أرسلنا فيهم منذرين ﴾ يعني: رسلا ينذرونهم، كما أرسلناك إلى قومك، فكذبوهم بالعذاب، كما كذبك قومك، فعذبهم الله تعالى في الدنيا ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ يعني: آخر أمر من أنذر فلم يؤمن ﴿ إلا عباد الله المخلصين ﴾ يعني: الموحدين المطيعين فإنهم لم يعذبوا قوله عز وجل: ﴿ ولقد نادانا نوح ﴾ يعني: دعا نوح ربه على قومه، وهو قوله:
أنى مغلوب فانتصر
[القمر: 10] ﴿ فلنعم المجيبون ﴾ يعني: نعم المجيب أنا ﴿ ونجينه وأهله من الكرب العظيم ﴾ يعني: من الهول الشديد وهو الغرق، قوله: ﴿ وجعلنا ذريته هم البقين ﴾ لأن الذي حمل معه من الناس ثمانون رجلا وامرأة، غرقوا كلهم ولم يبق إلا ولده سام، وحام، ويافث قال الفقيه أبو الليث رحمه الله حدثنا أبو جعفر قال حدثنا أبو القاسم الصغار بإسناده عن سمرة بن جندب قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال
" سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم "
ثم قال تعالى: ﴿ وتركنا عليه فى الآخرين ﴾ يعني: أبقينا عليه ذكرا حسنا في الباقين من الأمم، وهذا قول القتبي، وقال مقاتل يعني: أثنينا على نوح بعد موته ثناء حسنا ثم قال عز وجل: ﴿ سلم على نوح فى العلمين ﴾ يعني: السعادة والبركة على نوح من بين العالمين ﴿ إنا كذلك نجزى المحسنين ﴾ يعني: هكذا نجزي كل من أحسن ﴿ إنه من عبادنا المؤمنين ﴾ يعني: المصدقين بالتوحيد ﴿ ثم أغرقنا الأخرين ﴾ يعني: قومه الكافرين.
قوله عز وجل: ﴿ وإن من شيعته لإبرهيم ﴾ قال مقاتل: يعني: إبراهيم من شيعة نوح عليه السلام وعلى ملته، وقال الكلبي يعني من شيعة محمد - صلى الله عليه وسلم - إبراهيم، وعلى دينه ومنهاجه، وذكر عن الفراء أنه قال هذا جائز، وإن كان إبراهيم قبله كما قال:
حملنا ذريتهم
[يس: 41] يعني: آباءهم، ذريته الذين هو منهم، قوله عز وجل: ﴿ إذ جاء ربه بقلب سليم ﴾ يعني: إبراهيم دعا ربه بقلب سليم أي: خالص [ويقال: إذ جاء ربه بقلب سليم أي مخلص] سليم من الشرك ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون ﴾ يعني: إيش الذي تعبدون، ويقال: معناه لماذا تعبدون هذه الأوثان قوله عز وجل: ﴿ أئفكا ءالهة ﴾ يعني: أكذبا آلهة ﴿ دون الله تريدون ﴾ عبادتها ﴿ فما ظنكم برب العلمين ﴾ إذا عبدتم غيره، فما ظنكم به إذ لقيتموه ﴿ فنظر نظرة فى النجوم ﴾ قال مقاتل: يعني: في الكواكب [ويقال فنظر نظرة في النجوم، أي في أمر النجوم ثم تفكر بالعين وبالقلب] وذلك أنه رأى كوكبا قد طلع ﴿ فقال إنى سقيم ﴾ أي: سأسقم ويقال مطعونا وهو قول سعيد بن جبير والضحاك وقال القتبي: نظر في الحساب لأنه لو نظر إلى الكواكب، لقال: نظر نظرة إلى النجوم وإنما يقال نظر فيه، إذا نظر في الحساب ﴿ فقال إنى سقيم ﴾ أي سأمرض غدا وكانوا يتطيرون من المريض، فلما سمعوا ذلك منه هربوا، فذلك قوله تعالى: ﴿ فتولوا عنه مدبرين ﴾ قال الفقيه أبو الليث رحمه الله حدثنا الخليل بن أحمد قال حدثنا خزيمة قال حدثنا عيسى بن إبراهيم قال حدثنا ابن وهب عن جرير بن حازم عن أيوب السجستاني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
" لم يكذب إبراهيم قط إلا ثلاث كذبات، ثنتان في ذات الله قوله: " إني سقيم " وقوله " بل فعله كبيرهم هذا " وواحدة في شأن سارة ذلك أنه قدم أرض جبار، ومعه سارة، وكانت أحسن النساء، فقال لها إن هذا الجبار إن علم أنك امرأة يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك فلما دخل الأرض رآها بعض أهل الجبار، فأتاه فقال له: لقد دخل اليوم أرضك امرأة، لا ينبغي أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتي بها، فقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما أدخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك، ففعلت فعاد، فقبضت يده أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال لها ادعي الله أن يطلق يدي ولك علي ألا أضرك، ففعلت، فأطلقت يده، فدعا الذي جاء بها فقال له إنك أتيتني بشيطان ولم تأتيني بإنسان، فأخرجها من أرضي، وأعطاها هاجر، فأقبلت تمشي حتى جاءت إلى إبراهيم، فلما رآها إبراهيم انصرف من الصلاة، فقال لها: مهيم: يعني ما الخبر؟ فقالت خيرا كفيت الفاجر وأخدمني خادما "