33.18-22
قوله عز وجل: ﴿ قد يعلم الله المعوقين منكم ﴾ يعني: يرى المثبطين منكم المانعين من القتال منكم وهم المنافقون ﴿ والقائلين لإخونهم ﴾ يعني: لأوليائهم وأصدقائهم ﴿ هلم إلينا ﴾ يعني: ارجعوا إلينا إلى المدينة وهذا بلغة أهل المدينة يقولون للواحد وللاثنين والجماعة هلم وسائر العرب تقول للجماعة هلموا ثم قال ﴿ ولا يأتون البأس إلا قليلا ﴾ وذلك أن المنافقين كانوا يقولون إن لنا شغلا فيرجعون إلى المدينة فإذا لقيهم أحد بالمدينة من المؤمنين يقولون دخلنا لشغل ونريد أن نرجع وإذا لقوا أحدا من المنافقين يقولون أي شيء تصنعون هناك ارجعوا إلينا ولا يأتون البأس يعني: ولا يحضرون القتال إلا قليلا رياء وسمعة ولو كان ذلك لله لكان كثيرا وهذا كقوله: ﴿ ولا يذكرون الله إلا قليلا ﴾.
ثم قال عز وجل: ﴿ أشحة عليكم ﴾ يعني: أشفقة عليكم حبا لكم حتى يعوقكم يا معشر المسلمين ويقال: يعني: بخلاء في النفقة عليكم ويقال فيه تقديم فكأنه يقول ولا يأتون البأس شفقة عليكم أي لم يحضروا شفقة عليكم إلا قليلا يعني: لا قليلا ولا كثيرا ﴿ فإذا جاء الخوف ﴾ يعني: خوف القتال ﴿ رأيتهم ينظرون إليك ﴾ من الخوف ﴿ تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت ﴾ يعني: تدور أعينهم كدوران الذي هو في غثيان الموت ونزعاته جبنا وخوفا ﴿ فإذا ذهب الخوف ﴾ وجاءت قسمة الغنيمة ﴿ سلقوكم ﴾ يعني: رموكم ويقال: طعنوا فيكم ﴿ بألسنة حداد ﴾ يعني: سلاط باسطة بالشر ﴿ أشحة على الخير ﴾ يعني: حرصا على الغنيمة ويقال: بخلا على الغنيمة ﴿ أولئك لم يؤمنوا ﴾ يعني: لم يصدقوا حق التصديق ﴿ فأحبط الله أعملهم ﴾ يعني: أبطل الله ثواب أعمالهم ﴿ وكان ذلك على الله يسيرا ﴾ يعني: إبطال أعمالهم ويقال عذابهم في الآخرة على الله هين ثم قال عز وجل: ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ يعني: يظنون أن الجنود لم يذهبوا من الخوف والرعب ﴿ وإن يأت الأحزاب ﴾ مرة أخرى ويقال: حكاية عن الماضي ﴿ يودوا لو أنهم بادون فى الأعراب ﴾ يعني: تمنوا أنهم خارجون في البادية مع الأعراب ﴿ يسألون عن أنبائكم ﴾ يعني: عن أخباركم وأحاديثكم ﴿ ولو كانوا فيكم ﴾ يعني: معكم في القتال ﴿ ما قاتلوا إلا قليلا ﴾ رياء وسمعة من غير حسبة وقرىء في الشاذ يسألون بتشديد السين وأصله يتساءلون أي يسأل بعضهم بعضا وقراءة العامة يسألون لأنهم يسألون القادمين ولا يسأل بعضهم بعضا قوله عز وجل: ﴿ لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة ﴾ قرأ عاصم أسوة بضم الألف وقرأ الباقون بالكسر وهما لغتان ومعناهما واحد يعني لقد كان لكم اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وقدوة حسنة وسنة صالحة لأنه كان أسبقهم في الحرب وكسرت رباعيته يوم أحد وواساكم بنفسه في مواطن الحرب ﴿ لمن كان يرجو الله ﴾ يعني: يخاف الله عز وجل: ﴿ واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ﴾ باللسان ﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ يعني: الجنود يوم الخندق والقتال ﴿ قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ في سورة البقرة وهو قوله عز وجل
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم
[البقرة: 214] الآية ويقال: إنه قد أخبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نازل ذلك الأمر فلما رأوه ﴿ قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ ﴿ وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ﴾ يعني: لم يزدهم الجهد والبلاء إلا تصديقا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وجرأة وتسليما يعني: تواضعا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم نعت المؤمنين.