تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر

[الفتح: 2] فقال المؤمنون هذا لك فما لنا فنزل قوله تعالى ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ﴾ في الجنة فلما سمع المنافقون ذلك قالوا فما لنا فنزل

بشر المنفقين بأن لهم عذابا أليما

[النساء: 138] ثم رجع إلى ما ذكر في أول السورة فقال تعالى ﴿ ولا تطع الكفرين ﴾ من أهل مكة ﴿ والمنفقين ﴾ من أهل المدينة ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي تجاوز عن المنافقين ولا تقتلهم ويقال ودع أذاهم يعني اصبر على أذاهم وإن خوفك شيء منهم فتوكل على الله يعني: فوض أمرك إلى الله وروى الأعمش عن سفيان بن سلمة عن ابن مسعود وقال:

" قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسمة فقال رجل من الأنصار إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فأخبر بذلك فاحمر وجهه فقال رحم الله أخي موسى عليه السلام لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر "

ثم قال ﴿ وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴾ يعني: حافظا نصيرا.

33.49-50

وقوله عز وجل: ﴿ يأيها الذين ءامنوا إذا نكحتم المؤمنت ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ قرأ حمزة والكسائي تماسوهن وقرأ الباقون تمسوهن مثل الاختلاف الذي ذكرنا في سورة البقرة ﴿ فما لكم عليهن من عدة ﴾ يعني: ليس للأزواج عليهن عدة ﴿ تعتدونها ﴾ وإنما خص المؤمنات لأن نكاح المؤمنات كان مباحا في ذلك الوقت فلما أحل الله تعالى نكاح الكتابيات صار حكم الكتابية وحكم المؤمنة في هذا سواء إذا طلقها قبل أن يخلو بها لا عدة عليها بالإجماع وإن طلقها بعد ما خلا بها ولم يدخل بها فقد روي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا لا عدة عليها وقال عمر وعلي ومعاذ وزيد بن ثابت وجماعة منهم رضي الله عنهم أن عليها العدة وهو أحوط الوجهين أنه إذا خلا بها ولم تكن المرأة حائضا ولم يكن أحدهما مريضا ولا محرما ولا صائما صوم فرض يجب على الزوج المهر كاملا وعليها العدة احتياطا وأما إذا كانت المرأة حائضا أو مريضة أو محرمة أو صائمة عن فرض أو الرجل مريض أو صائم عن فرض أو محرم فطلقها بعد الخلوة قبل الدخول فعليه نصف المهر وعليها العدة احتياطا ثم قال ﴿ فمتعوهن ﴾ يعني: متعة الطلاق ثلاثة أثواب وهي مستحبة غير واجبة ﴿ وسرحوهن سراحا جميلا ﴾ يعني: خلوا سبيلهن تخلية حسنة وهو أن يعطيها حقها قوله عز وجل: ﴿ يأيها النبى إنا أحللنا لك أزوجك ﴾ يعني: نساءك ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ يعني: أعطيت مهورهن لأن غيره كان له أكثر من أربع نسوة أمره أن يترك ما زاد على الأربع وقد أحل للنبي - صلى الله عليه وسلم - إمساك التسع ولم يأمره بالفرقة ﴿ وما ملكت يمينك ﴾ يعني: أحللنا لك من الإماء مثل مارية القبطية ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ من الغنيمة يعني: أعطاك الله كقوله تعالى:

مآ أفآء الله على رسوله

[الحشر: 7] ثم قال ﴿ وبنات عمك ﴾ يعني: أحللنا لك نكاح بنات عمك ﴿ وبنات عمتك وبنات خالك وبنات خلتك اللاتى هجرن معك ﴾ يعني: هاجرن معه من مكة إلى المدينة أو قبله أو بعده ثم قال ﴿ وامرأة مؤمنة ﴾ يعني: أحللنا لك امرأة مؤمنة ﴿ إن وهبت نفسها للنبى ﴾ صلى الله عليه وسلم - وقرأ الحسن إن وهبت بنصب الألف ومعناه إذا وهبت ويكون ذلك الفعل خاصة لامرأة واحدة وقراءة العامة إن بالكسر فيكون معناه لكل امرأة إن فعلت ذلك في المستقبل قال مقاتل: وذلك أن أم شريك وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - بغير مهر كذا قال الكلبي وروى معمر عن الزهري في قوله: ﴿ إن وهبت نفسها للنبى ﴾ قال بلغنا أن ميمونة وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - ووهبت سودة يومها لعائشة رضي الله عنها وروى وكيع عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي وعمرو بن الحكم وعبد الله بن عبيدة قال تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث عشر امرأة ستة من قريش - خديجة بنت خويلد وعائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية وثلاثا من بني عامر وامرأتين من بني هلال ميمونة بنت الحارث وهي التي وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - وزينب أم المساكين وامرأة من بني بكر وهي التي اختارت الدنيا وامرأة من بني الحزن من كندة وهي التي استعاذت منه وقال يحيى بن أبي كثير تزوج أربعة عشر خديجة وسودة وعائشة تزوج هؤلاء الثلاث بمكة وتزوج بالمدينة زينب بنت خزيمة وأم سلمة وجويرية من بني المصطلق وميمونة بنت الحارث وصفية بنت حيي بن أخطب وزينب بنت جحش وكانت امرأة زيد بن حارثة وعالية بنت ظبيان وحفصة وأم حبيبة والكندية وامرأة من كلب وروى الزهري عن عروة قال لما دخلت الكندية على النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت أعوذ بالله منك فقال لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك ثم قال عز وجل ﴿ إن أراد النبى أن يستنكحها ﴾ يعني أن يتزوجها بغير صداق ﴿ خالصة لك من دون المؤمنين ﴾ يعني: خالصا للنبي - صلى الله عليه وسلم - بغير مهر ولا يحل لغيره وقال الزهري الهبة كانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة ولا تحل لأحد أن تهب له امرأة نفسها بغير صداق وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لم تحل الموهوبة لأحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - واختلف الناس في جواز النكاح قال أهل المدينة باطل وقال أهل العراق النكاح جائز ولها مهر مثلها وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أجاز ذلك وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن خولة بنت حكيم وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت من المهاجرات الأول وقال القتبي العرب تخبر عن غائب ثم ترجع إلى الشاهد فتخاطبه كما قال هاهنا ﴿ إن وهبت نفسها للنبى ﴾ بلفظ الغائب ثم قال: ﴿ خالصة لك من دون المؤمنين ﴾ ثم قال ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم ﴾ يعني: ما أوجبنا عليهم ﴿ فى أزوجهم ﴾ يعني: في أن لا يتزوجوا إلا بالمهر ويقال إلا أربعا ﴿ وما ملكت أيمنهم ﴾ ويقال يعني: إلا ما لا وقت فيهن ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ في الهبة بغير مهر وفي الآية ومعناه أنا أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - لكي لا يكون عليك حرج ثم قال ﴿ وكان الله غفورا ﴾ يعني: غفورا فيما تزوج قبل النهي ﴿ رحيما ﴾ في تحليل ذلك.

بحر العلوم · الصفحة ٩٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٩٤٤